“الخرطوم ليست آمنة”: قراءةُُ تاريخية وعبر مُستفادة رداً على تصريحات الجنرال البرهان بمسجد الروضة – ضاحية الدروشاب، 8 مايو 2026م
د.جودات الشريف حامد

د. جودات الشريف حامد
استدعاء عبر التاريخ ودروسه المُستفادة، عندما يقف القادة العسكريون خلف منابر التأثير العقدي والأيدلوجي ليعلنوا أن “المدينة آمنة”، يكون ذلك في العادة إما قبل الكارثة (الزنقة المهلكة) بقليل، أو في قلب (الزنقة المميتة) تماماً. استدعاؤنا للتاريخ هنا ليست غايته الاتهام، لكن غاية استحضاره كمرآة لا تظلم ولا تتجنى على أحد. ما قاله الجنرال المتبجح” البرهان” في مسجد الروضة بضاحية الدروشاب يوم الجمعة 8 مايو2026 ليس أمراً جديداً في منطق الحروب المجنون. لقد سبقه غيره الكثيرون من قبل قائلين ذلك في أماكن وأزمان مختلفة عبر التاريخ. لكن الفرق أن أولئك إما صدقوا ما قالوا، أو ماتوا قبل أن يروا كذبهم.
أما نحن، فنعيش لنرى ولنتذكر دروس التاريخ التي لم نتعلمها جيداً. في عام 410 قبل الميلاد، وقف القائد الروماني فلافيوس قسطنطين أمام جيشه بعد أن تمكن من تأمين أسوار القسطنطينية وقال: “المدينة آمنة والله معنا”. بعد ثلاثة أيام فقط، اقتحم القوط الغربيون المدينة من بوابة كانت تُعتبر منيعة وبحساب تفكير قسطنطين من الاستحالة اقتحامها. هذا يمثل درس متوارث بالتجربة البشرية عبرته المُستفادة هي أن منظار التقييم العسكري للأمور دائماً يعتبر وهم قاتل خاصة إذا لم يصطحب البعد الإنساني المرتبط بالمواطن في الحسبان والتقييم. ففي يونيو 1940م، وبينما كانت الدبابات الألمانية الهتلرية على بعد مئة كيلومتر من باريس، أعلنت الحكومة الفرنسية أن “باريس آمنة ولن تسقط”. بعد أيام، دخلها هتلر دون قتال تقريباً. فباريس لم تكن آمنة، بل كانت مغيبة وخائفة، والخوف لا يصنع أمناً أو التغييب لا يجلب إستقراراً، بل يصنع هزائم أسرع مما يكن في حسبان الجميع. وفي ٢٠٠٣، عندما قال صدام حسين قبل أيام من الغزو إن “أم المعارك ستكون نصراً مبيناً وبغداد آمنة”، كان الجميع يعلمون الحقيقة، أن ذلك كلاماً لا يُسمن ولا يغني من جوع و ما حدث بعد ذلك نعرفه جميعاً فكانت كارثة صادمة, تماثيل تُسقط، ومكتبات تُحرق، ومدن العراق كانت تئن تحت أحذية المارينز.أما في شتاء 1992م، قال القائد الصربي قبل حصار مدينة سراييفو: “سراييفو لن تحترق، فهي آمنة تحت حمايتنا” وبعد أيام قلائل، بدأ أطول حصار لعاصمة في التاريخ الحديث: ألف وأربعمائة وخمسة وعشرون يوماً من القصف والجوع والخوف و المسغبة عاشها سكان سراييفو؛ لماذا كل هذه الدروس؟؟!!.
لأن الخرطوم وكل المدن التي يسيطر عليها الجنرال البرهان وإرهابيه ليست استثناءاً من التاريخ، بل هي جزء منه تماماً. ما حدث في القسطنطينية وباريس وبغداد وسراييفو يمكن أن يحدث في الخرطوم أو أي مدينة أخرى بلا استثناء تحت سيطرة البرهان.
ولأن ليس كل ما يُقال يُصدق، وليس كل ما يُرى يُروى، أستذكر هنا أشعار حكمة بإمكانها إكمال ما يعجز عنه مقالنا هذا نثراً. حيث يقول أبو الطيب المتنبي: “وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مَرِحٍ فَلَيْسَتْ تُعَدُّ جِراحُهُ إِلا كِلامَا”. هكذا هي تصريحات الأمن الزائف: فجراح الشعب الذي يحكمه الدواعش بلغة السلاح غائرة، فكيف يطمئنونه بكلماتهم الكاذبة؟ ويقول عمر الخيام: “الأيامُ تُظهرُ ما أَخْفَيْتَ يا رَجُلُ وَتُبْدي سَرِيرَتَكَ بَعْدَ البَيَانِ(التصريحات)”. الأيام وحدها تكشف الحقيقة، لا استغلال قدسية دور العبادة لإطلاق التصريحات الكاذبة. فدعوا الأيام تتحدث وسترون أن الخرطوم لم ولن تكن آمنة، بل هي مدينة تئن تحت وطأة الخوف والحاجة. ويقول الإمام الشافعي: “وَأَقولُ قَد صَحَّت مَوَدَّتُنا بِكُمْ وَأَرى الزَمانَ يُكَذِّبُ القَوّالا”. يقولون إن الخرطوم آمنة، لكن الزمان سيُكذب ما يقولون. ويقول نزار قباني: “لا تَسأَلوني عَن أَماني اليَومَ ما وَطَنٌ إِلّا صَلاةُ الغَريبِ خَلفَ إِنسانِ”. لا تسألوني عن الأمان في زمن لا وطن فيه، فلا أمان إلا بدعاء الغريب خلف إنسان. وهل أشد غربة من العائد إلى بيته ليجد بيتاً لا يسكنه الأمن؟ ويقول محمود درويش على طريقته: “عَلى هَذا المَمَرِّ إِلَيكَ يا رَجُلُ / لَيسَ هُناكَ أَمانٌ، هُناكَ بَلَدُ”. ليس هناك أمان، هناك وطن يئن وخرطوم تبكي وأطفال لا يعرفون معنى النوم الهادئ أحيائها.
السياق الذي يُكذّب خطاب الجنرال المخادع ليس واحداً. فكذبه ليس في كلمة واحدة، لكنه في سياقات متعددة يًكذّب بعضها بعضاً. الخرطوم التي يعرفها الجميع ليست هي الخرطوم التي يراها البرهان بمنظور دواعشه الارهابيين. الخرطوم التي نعرف وندرك واقعها اليوم من خلال تواصل يومي- ليس فيها كهرباء في أحياء كاملة، وتحتاج إلى عبور جسور مقطوعة أو محطمة للانتقال من حي إلى آخر، وفيها أحياء كاملة خاوية بيوتها مفتوحة على السماء وأبوابها تؤانس “الكدايس” لا أهلها والجيران، يقول الجنرال المخادع “البرهان” إن الخرطوم آمنة ومطمئنة، لكنني أسأل: ماذا عن الطفل الذي لم يذهب إلى مدرسته منذ عامين، هل هو آمن؟ وماذا عن الأم التي فقدت زوجها وابنها وأخيها في معركة واحدة في معركة كرامة مدعاة، هل هي مطمئنة؟ وماذا عن النازح الذي عاد ليجد بيته إما مقراً عسكرياً لمليشيا أو مخزن سلاح للكتائب الإرهابية، هل هو في أمان؟ وماذا عن المريض الذي يحتاج دواء غير متوفر، هل الخرطوم آمنة ومؤمنة لاحتياجات لصحته؟
الأسعار في الخرطوم خرافية ضربت كل الأرقام القياسية. كيلو اللحم أصبح حلماً، وكيس دقيق(الماريق) صار أغلى من كتاب مدرسي، والوقود إن وجد فبسعر خيالي ليس بمقدور أحد تموين عربته باستثناء الدواعش المتحكمين طبعاً. هل هذه هي الخرطوم الآمنة؟ ليت الأمن يُقاس بغياب الرصاص كمعيار أوحد، ليت الأمن بهذه البساطة والخرافة والسذاجة. فالأمن بمعاييره الانسانية ليس كذلك. الأمن أن تعيش كإنسان مكفول الحياة الكريمة، لا أن تتنفس فقط كما يتنفس أي مخلوق. وما لا يقوله البرهان وبطانته من الدواعش إن معظم سكان الخرطوم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. كل صوت عالٍ يذكرهم بانفجار، وكل سيارة تسير بسرعة تذكرهم بسيارات مسلحة، وكل غروب شمس يذكرهم بليل لم تنتهِ كوابيسه بعده.
هناك أسئلة كثيرة لم يجب عليها جنرال “الغفلة” البرهان في خطابه بمسجد الروضة. متى ستعود المدارس والمستشفيات التي دمرتها الحرب؟ المواطن لا يريد خطاباً عاطفياً كذوباً، المواطن يريد طوباً وإسمنتاً وصيدلية يجد فيها احتياجاته العلاجية بسعر في حدود امكانياته. ماذا عن النازحين الذين لا يستطيعون العودة لأن بيوتهم لم تعد صالحة للسكن؟ هل سيبقون في المخيمات إلى الأبد؟ كيف تكون الخرطوم آمنة والمجاعة تطرق أبوابها؟ الجائع لا يهتم بالانتصارات الزائفة التي يبيعها لهم البرهان في دور العبادة، بل بلقمة خبز و “طرقة كسرة بملاح أم رقيقة”-ماذا عن المسؤولية الأخلاقية تجاه المدنيين الذين قتلوا في قصف طيران الجيش وكتائبه الارهابية؟ أم أن الحرب دائماً “خطأ غير مقصود”؟
يقول حكيم الصيني “لاو تسو” في كتابه “طاو تي تشينغ”: الجنود الطيبون لا يتفاخرون، والقادة الحكماء لا يغضبون، ومن يعرف كيف ينتصر لا يحتفل كثيراً، لأن الاحتفال بالنصر يعني الاحتفال بقتل البشر. المواطنون قاطني الخرطوم الآن لا يريدون خطاب عنتريات الانتصار المستحيل ، لكنهم يتطلعون برغبةً صادقة في سلام حقيقي يعيد لهم كرامتهم التي سلبتها الحرب التي أشعلها البرهان و دواعشه الإرهابيين. المواطنون لا يريدون أن يُقال في استغلال فاضح لقدسية المساجد أن “الخرطوم آمنة” وهم يعايشون واقع الدمار والخراب بأعينهم، المواطن يريد أن يرى الخرطوم آمنة بعينيه قبل أن يسمعها بأذنيه في سردية زائفة من جنرال زائف. الخرطوم ليست آمنة اليوم، لعلها تكون آمنة غداً. لكن بكل تأكيد ليس على يد الجنرال البرهان، بل على أيد أبناءها المخلصين الباحثين عن دولة تؤسس على قيم السلام، والوحدة والمواطنة والعدل.




