رأي

ميوعة النخب السياسية السودانية وتكرير التجربة الأفغانية

عماد جدو

 

عماد ابكرجدو

حين تُضلِّل النخب جماهيرها

في اللحظات التاريخية الكبرى، لا تُقاس مواقف القوى السياسية بما ترفعه من شعارات، بل بقدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها، والوقوف الأخلاقي الواضح أمام الأزمات الوطنية. غير أن المشهد السوداني منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل كشف عن حالة واسعة من “الميوعة السياسية”، تمثلت في التردد، والغموض، والانجرار خلف سرديات صاغتها الحركة الإسلامية السودانية لحماية نفسها وإعادة إنتاج مشروعها السلطوي تحت لافتة الحرب.

لقد نجحت الحركة الإسلامية، عبر أدواتها الإعلامية والسياسية، في فرض تعريف مضلل للحرب، يقوم على اختزالها في مواجهة بين “جيش الدولة” و”متمردين على السلطة” خرجوا عن طاعة القائد الأعلى للقوات المسلحة. هذا التعريف، رغم بساطته الظاهرية، يحمل في داخله عملية تضليل سياسي كبرى، لأنه يتجاوز جذور الأزمة الحقيقية، ويتجاهل طبيعة الصراع القائم حول شكل الدولة السودانية ومستقبل الحكم فيها.

المؤسف أن عدداً من القوى السياسية السودانية انساق وراء هذه السردية، ليس فقط بالصمت، بل بالتبني والترويج. بعض هذه القوى وقفت موقفاً يفتقر إلى الشجاعة الأخلاقية، فاختارت المنطقة الرمادية بدلاً من المواجهة الفكرية والسياسية الواضحة مع مشروع الإسلاميين. والأخطر من ذلك أن بعض القيادات الحزبية التي تربطها مصالح مباشرة أو غير مباشرة بشبكات السلطة القديمة، وجدت في هذه السردية وسيلة لحماية امتيازاتها وعلاقاتها داخل الدولة العميقة.

فالحرب، بالنسبة للحركة الإسلامية وحلفائها من رجال الأعمال الفاسدين وأصحاب الامتيازات، ليست مجرد معركة عسكرية، بل معركة بقاء سياسي واقتصادي. لذلك كان من الطبيعي أن يتم تسويقها باعتبارها “حرب الدولة” ضد “التمرد”، حتى يتم إخفاء الأبعاد الحقيقية للصراع، وإعادة تدوير النخب التي ارتبطت لعقود بالفساد والتمكين والاحتكار.

لكن الحقيقة الكاملة لهذه الحرب لن تتضح إلا بعد توقف القتال، ودحر القوى التي دفعت البلاد إلى هذا المصير الكارثي، وقيام لجان تحقيق مستقلة ومحايدة، وطنية ودولية، تكشف للرأي العام كيف تم اختطاف الدولة، وكيف جرى استخدام المؤسسة العسكرية لخدمة مشروع أيديولوجي ضيق. حينها فقط ستكتشف جماهير كثير من الأحزاب حجم التضليل الذي تعرضت له، وستنكشف هشاشة القيادات التي باعت الوضوح السياسي مقابل حسابات قصيرة المدى.

ومن اللافت أن بعض القوى السياسية السودانية ظلت تتعامل مع تصنيف الإسلاميين كتنظيم متطرف أو إرهابي باعتباره مجرد انعكاس للصراع الأمريكي الإيراني أو للسياسات الدولية، متجاهلة السلوك الفعلي للحركة الإسلامية السودانية وتجربتها الطويلة في إنتاج العنف والاستبداد وتخريب الدولة. وبينما ترددت معظم القوى السياسية في اتخاذ موقف واضح، برزت بعض المكونات المنتمية لتحالف “تأسيس”، إلى جانب الجمهوريين، كأكثر الأطراف وضوحاً في توصيفها للحرب وطبيعة المشروع الإسلامي منذ الأيام الأولى للصراع.

إن عزل الحركة الإسلامية عن الممارسة السياسية لا ينبغي النظر إليه باعتباره انتقاماً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة والمجتمع من إعادة إنتاج الأزمة. غير أن هذا العزل لا يمكن أن يكون أبدياً أو قائماً على الإقصاء المجرد، بل يجب أن يرتبط أولاً باعتراف هذه الحركة بمسؤوليتها التاريخية، وتقديم نقد ذاتي حقيقي، واعتذار واضح عن ممارساتها التي قادت السودان إلى الحروب والانقسامات والانهيار الاقتصادي والمؤسسي. بعدها فقط يمكن الحديث عن أي إمكانية لعودة طبيعية إلى المجال السياسي وفق شروط الدولة المدنية الديمقراطية.

إن استمرار الميوعة السياسية في تعريف الصراع يهدد السودان بمصير شبيه بالتجربة الأفغانية. فبعد التدخل الأمريكي في أفغانستان، أُتيحت فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة، لكن صراعات النخب، والتدخلات الإقليمية والدولية، وعجز القوى السياسية عن بناء مشروع وطني واضح، كلها عوامل أدت في النهاية إلى عودة الإسلاميين المتشددين للحكم، وتحول أفغانستان إلى دولة معزولة ومنسية.

والسودان اليوم يقف أمام خطر مشابه. فتكلفة الحرب باهظة، ولا أحد ينكر ضرورة العمل العاجل لإيقافها، لكن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتحقق عبر الضغوط الخارجية وحدها، مهما بلغت قوتها. المطلوب هو تكامل الجهود الدولية والإقليمية مع موقف داخلي واضح وحاسم، تقوده قوى سياسية تمتلك الشجاعة لتسمية الصراع بحقيقته، لا كما تريد له الحركة الإسلامية أن يُعرَّف.

إن حرب الخامس عشر من أبريل ليست مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل هي في جوهرها معركة حول طبيعة الحكم، وشكل الدولة، ومن يملك حق إعادة صياغة السودان الجديد. وهو التعريف الذي اقتربت منه بعض الوثائق السياسية الحديثة، وعلى رأسها ميثاق “تأسيس”، الذي حاول إعادة الأزمة السودانية إلى جذورها الحقيقية: أزمة بناء الدولة، لا مجرد أزمة سلطة عابرة.

وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب في أوقات الحروب ليس السلاح وحده، بل الضباب السياسي الذي يجعل الضحية عاجزة عن رؤية من أشعل الحريق، ومن يسعى لإطفائه، ومن ينتظر فقط إعادة اقتسام الغنائم فوق أنقاض الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!