
فاطمة لقاوة
في الحروب الكبرى تسقط الأقنعة سريعاً، وتنكشف الوجوه التي كانت تختبئ خلف شعارات “المهنية” و”الحياد”، وما فعله أحمد طه في حواره الأخير مع “السافنا” لم يكن عملاً صحفياً يبحث عن الحقيقة، بل كان عرضاً مكشوفاً لإنحياز فجّ، ومحاولة يائسة لإعادة تدوير روايات الفلول والإخوان المسلمين بعد أن إحترقت سياسياً وأخلاقياً أمام السودانيين.
لقد دخل أحمد طه إلى الإستوديو بعقلية المحقق لا الإعلامي، وبنَفَس الخصم لا الصحفي، جاء وهو يظن أن ضيفه سيكون لُقمة سائغة لتمرير سيناريوهات جاهزة، وإتهامات مفبركة، وأسئلة ملغومة صيغت بعناية داخل مطابخ الإعلام الكيزاني، لكنه إصطدم بواقع مختلف تماماً؛ إصطدم برجل يعرف ماذا يقول رغم تشتت ذِهن السافنا و ضطرابه، ويفهم تماماً حجم المؤامرة التي تُدار ضده وضد مجتمعاته.
منذ اللحظات الأولى للحوار بدا واضحاً أن أحمد طه لم يكن يبحث عن إجابات، بل كان يبحث عن “إدانة جاهزة” يقتطعها من سياق الكلام ليقدمها هدية رخيصة للفلول،حاول إستفزاز ضيفه، وجرّه نحو الإعتراف بما يريد هو سماعه، لا بما تقوله الوقائع على الأرض، لكن كل محاولاته تحولت إلى إرتباك ظاهر، وإنكشاف مهني فاضح و مهين أمام المشاهدين.
لقد بدا أحمد طه مرتبكاً كلما واجهه “السافنا” بالحقائق، وعندما أعاد الحديث عن حقيقة سجن كوبر، وعن دور الشرطة في فتح السجن، ظهرت الصدمة واضحة على المذيع الذي كان يأمل تثبيت رواية أخرى تخدم أجندة معروفة،وحين أكد أن قيادات الدعم السريع موجودة وسط الميدان لا في البدرومات والغرف المغلقة، بدا أن الحوار خرج تماماً من سيطرة مقدم البرنامج.
أكثر ما أوجع القناة والمذيع معاً، فهو رفض “السافنا” الإنحناء لحملة الإبتزاز الإعلامي المتعلقة بتهم تجنيد الأطفال والجرائم المعلبة،و لم يقدم الإعتذار الذي كانت القناة تنتظره، ولم يمنح أحمد طه اللقطة التي حلم بها، فكان الخيار الأسهل هو قطع المداخلة وإنهاء الحوار بطريقة كشفت حجم العجز والإنحياز المفضوح.
ما حدث لم يكن سقطة مهنية عابرة، بل فضيحة إعلامية مكتملة الأركان،لأن الصحفي الحقيقي يواجه الجميع بمعيار واحد، أما الإعلامي المؤدلج فإنه يتحول إلى أداة سياسية رخيصة، يحرث في البحر، ويقاتل دفاعاً عن أوهام مشروع سقط تحت أقدام السودانيين.
لقد أثبت أحمد طه، من حيث لا يدري، أن كثيراً من المنصات الإعلامية التي تتحدث باسم “الحياد” ليست سوى غرف عمليات ناعمة تخدم الفلول وتحاول غسل صورتهم القبيحة بعد سنوات الخراب والدمار والفساد،
لكن ما لم يفهمه أحمد طه ومن يقفون خلفه، أن الحرب غيّرت وعي السودانيين كثير خاصة أهل الريف البًسطاء لم تعد هُناك جماهير يمكن أن تُنخدع بالمذيع الأنيق والنبرة الهادئة والأسئلة المسرحية،الناس باتت ترى الإنحياز في نبرة الصوت، وفي طريقة المقاطعة، وفي الإنتقائية الفاضحة للأسئلة، وفي محاولات شيطنة طرف وتبرئة آخر.
يا أحمد طه! لقد إنتهى زمن التلاعب بالعقول عبر الشاشات،وسقطت المهنية الزائفة يوم تحولت من صحفي يفترض أن ينقل الحقيقة، إلى محامٍ مرتبك يدافع عن رواية الإخوان المسلمين المهزومة،
أما “الحرث في البحر” الذي تمارسه أنت ومن وراءك، فلن ينتج سوى مزيد من الفشل والسراب، لأن الحقيقة، مهما حاولتم دفنها تحت ضجيج الإستوديوهات، ستظل أعلى صوتاً من كل أبواق التضليل.
ولنا عودة بإذن الله
الأربعاء،٢٠مايو/٢٠٢٦م




