رأي

من الحق ما شهد به عدوك..حميدتي والسودان الجديد.. مشروع يتجاوز دولة النخب 

إخلاص قرنق

 

د. اخلاص قرنق

في خضم الحروب لا تضيع الحقيقة بالكامل، لأن بعض الحقائق تخرج أحياناً من أفواه الخصوم أنفسهم. ولذلك قيل قديماً: من الحق ما شهد به عدوك. وعندما نتأمل شخصية محمد حمدان دقلو. نجد أن كثيراً ممن اختلفوا معه أو تمردوا عليه عادوا ليشهدوا للرجل بصفات لا يمكن تجاهلها؛ الصدق، والأمانة، واللين، وحرمة الدم، والقدرة على الصبر في أحلك الظروف.

حميدتي ليس سياسياً مصنوعاً داخل صالات الفنادق المكيفة، ولا رجلاً جاء عبر طبقة النخب التقليدية التي حكمت السودان لعقود طويلة ثم تركته غارقاً في الحروب والفقر والانقسامات. هو ابن بيئة قاسية، خرج من رحم المعاناة، ولذلك ظل قريباً من الناس البسطاء، يسمع لغتهم ويتحدث بلسانهم ويشعر بأوجاعهم. تلك العفوية التي يراها البعض بساطة، هي في الحقيقة ذكاء فطري نادر، ذكاء الرجل الذي تعلّم من الصحراء والواقع والتجربة، لا من الكتب وحدها.

ورغم صلابته العسكرية، فإن المتابع يلحظ في حديثه قدراً كبيراً من الإنسانية. عيناه الزرقاوان كثيراً ما امتلأتا بالدموع وهو يتحدث عن السودان والدم السوداني والأمهات والأطفال والنزوح. رجل يحمل السلاح لكنه يتألم للحرب، وهذه مفارقة لا يفهمها كثيرون. فالإنسان القاسي لا يبكي على وطنه، أما الذي يحمل في داخله حنيناً صادقاً للسودان فهو الذي تنهكه مشاهد الدم والخراب.

الحقيقة التي يتجاهلها خصومه أن هذه الحرب لم تكن مشروعه الأول. أكثر من مرة مدّ يده للسلام، وأكثر من مرة تحدث عن الحوار ووقف إطلاق النار، لكن فلول النظام القديم كانوا يرون في استمرار الحرب فرصة للعودة إلى السلطة ولو فوق جماجم الأبرياء. كانوا يرفضون أي تسوية لأن مشروعهم قائم على النار والدم والكراهية.

وفي المقابل، ظل الرجل يعلن احترامه للشعائر والمناسبات الدينية، فيوقف العمليات في رمضان أو العيدين أو يوم عرفة، إيماناً منه بأن للدم حرمة، وأن حتى الحرب لها أخلاق وحدود. بينما رأى الناس كيف استمرت الغارات والقصف في الأشهر الحرم دون اعتبار لحرمة زمان أو مكان.

والأكثر إثارة أن بعض الذين اختلفوا معه أو تمردوا عليه عادوا ليقدموا شهادات مهمة في حقه. ابو عاقلة كيكل تحدث عن كثرة صيامه وصلاته، وهي شهادة لا تصدر عادة من شخص في موقع خصومة. وكذلك-اللواء النور القبة -أشار إلى صدق الرجل ووفائه. وحتى السافنا، وفي لحظة مواجهة وصراع، أكد أنه لم يتلقَّ أوامر بقتل أو اغتصاب من أي قائد، بل ذهب أبعد من ذلك حين نفى كثيراً من الروايات التي حاولت شيطنة حميدتي وتصويره كعدو للشعب.

هذه الشهادات لا تعني أن الحرب بلا أخطاء، فالحروب السودانية كلها مليئة بالمآسي والانتهاكات والتعقيدات، لكن الفارق بين مشروعين يظل واضحاً. هناك من يقصف الأسواق والمستشفيات والأحياء السكنية والأعراس بطائرات ومسيرات، ثم يتفاخر بما يسميه “صناع الكباب والكفتة”، وكأن قتل المدنيين بطولة عسكرية. وهناك من ظل يكرر في خطاباته أن المدنيين خط أحمر وأن السودان يجب أن يُبنى لا أن يُدمَّر.

لقد رأى السودانيون بأعينهم كيف تحولت المستشفيات إلى أهداف، وكيف مات الأطفال والنساء تحت القصف، وكيف أصبح المواطن البسيط يدفع ثمن صراع النخب القديمة على السلطة. ولذلك بدأ كثير من الناس يطرحون سؤالاً جوهرياً: من الذي يريد دولة لكل السودانيين، ومن الذي يريد استعادة امتيازات الماضي فقط؟

حميدتي، بالنسبة لمؤيديه، لم يعد مجرد قائد عسكري، بل أصبح امتداداً لفكرة السودان الجديد التي حمل رايتها الراحل الدكتور جون قرنق ديمبيور؛ سودان العدالة والمساواة وكسر احتكار السلطة والثروة. مشروع يتحدث عن التعليم الحكومي المجاني، وعن المستشفيات، وعن التنمية، وعن مواطن يجد كرامته أينما كان، لا سودان الصفوة المغلقة التي ترسل أبناءها للتعليم الخاص بينما ينهار تعليم الفقراء.

ولهذا يراه البعض قائداً خرج من قلب الهامش ليقول إن السودان ليس ملكاً لعائلة أو حزب أو نخبة بعينها. وأن البسطاء أيضاً لهم الحق في حكم بلادهم وصناعة مستقبلهم.

قد يختلف الناس حوله، وقد تتعدد المواقف السياسية، لكن لا أحد يستطيع إنكار أن الرجل أصبح رقماً صعباً في معادلة السودان الحديثة. شخصية صنعت حضورها بالقوة والكاريزما والقدرة على مخاطبة الشارع بلغة يفهمها الناس. وفي زمن كثرت فيه الأقنعة السياسية، ظل حميدتي بالنسبة لمؤيديه رجلاً واضحاً، يقول ما يؤمن به دون تعقيد أو تكلّف.

وفي النهاية، فإن التاريخ لا يكتبه المنتصر وحده، بل تكتبه أيضاً المواقف والشهادات والحقائق التي تصمد أمام الزمن. وربما لهذا السبب بقيت العبارة القديمة حية حتى اليوم:

من الحق ما شهد به عدوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!