رأي

النائحة المستأجرة: حناجر وسلطة

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في الأزمنة التي سبقت الدولة، كانت الخصومات تُدار بالحناجر.

من يصرخ أكثر ينتصر، ومن يشتم أطول يفرض هيبته.

وكانت الأسواق تمتلئ برجال يعتقدون أن الصوت المرتفع نوع من السلطة.

لكن حتى تلك البيئات كان لها عرفها غير المكتوب.

كانوا يعرفون أن للردح سقفاً، وأن الشتيمة ليست شجاعة دائماً، بل حسابات دقيقة.

فليس كل خصم يُواجه، وليس كل معركة تُخاض بالصوت العالي.

لذلك كان “الردّاح” الأذكى يختار معاركه بعناية.

إذا ظهر من يملك سنداً أقوى أو معلومات محرجة، تغيّر اتجاه الحنجرة فوراً نحو خصم آخر أكثر أماناً وأكثر فائدة.

فالردح له هندسته.

وله حساباته.

وله سقفه.

وفي لحظات الانهيار يتحول إلى اقتصاد قائم بذاته: اقتصاد الردح.

وهكذا يبدو المشهد السياسي في السودان اليوم.

وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، خالد الإعيسر، وجد نفسه محاصراً باتهامات مباشرة ومحرجة.

تكتوكر انتشرت لها مقاطع داخل كافيه بصورة غير لائقة، ظهرت لاحقاً في بورتسودان، ووجهت اتهامات تتعلق بالإقامة في فنادق باهظة، واستخدام سيارات حكومية.

ثم جاءت روايات أخرى أكثر قسوة، تتحدث عن خلفيته المهنية ومؤهلاته، وتضع علامات استفهام حول موقعه العام.

لكن الوزير لم يناقش شيئاً.

لم ينفِ رقماً.

لم يقدم مستنداً.

بل ظهر في غرب أم درمان بصورة مرتبكة، يتحرك وسط الأسواق بانفعال واضح، قبل أن يخطئ في تحديد المكان نفسه.

ثم بدأ العرض الحقيقي.

القوى المدنية.

القحاتة.

والخطاب المعتاد عن من يستطيع ومن لا يستطيع الحضور.

وهنا لا يعود الأمر مجرد انفعال فردي.

بل يتحول إلى نمط عمل داخل السلطة.

فالوزارة في هذا السياق لا تصدر خطاب نجاة سياسي، بل خطاباً وظيفته تثبيت الموقع داخل بنية سلطة تعيش على الصراع، وتعيد ترسيخ وجودها عبر الخصومة لا عبر الإنجاز.

هنا تصبح الحنجرة جزءاً من آلية الحكم.

لا صوتاً شخصياً فقط، بل وظيفة داخل نظام.

ويتحول الصراخ إلى مهارة، والتخوين إلى أداة عمل، والعدو إلى ضرورة تشغيل مستمرة داخل ماكينة السلطة.

وفي هذا السياق، لم تعد مهاجمة القوى المدنية في السودان مجرد خلاف سياسي، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد الردح نفسه.

حيث تتحول الحناجر إلى أدوات بقاء داخل شبكة امتيازات تُكافئ الصوت العالي أكثر مما تكافئ الفعل.

فالسلطة التي تعجز عن إنتاج الاستقرار، لا تكتفي بإنتاج عدو، بل تصدر أيضاً نمط تفكير كامل يجعل العدو شرطاً لبقائها ووسيلة لتبرير وجودها.

وفي زمن الحرب، لا يقف الأمر عند الداخل فقط.

فالصراع يمتد إلى فضاءات أوسع، حيث تتحول الحملات الخطابية إلى أدوات تأثير، وتُدار معارك رواية ومواقف داخل شبكات مصالح تتغذى على استمرار الأزمة لا على حلها.

هكذا يصبح الخطاب نفسه سوقاً.

لا يبحث عن الحقيقة، بل عن البقاء.

وفي أزمنة الحرب، تتحول بعض الحناجر إلى مورد رزق.

وكلما ارتفع الصراخ ضد القوى المدنية، ارتفعت فرص البقاء داخل شبكة الامتيازات التي تعيش على الحرب وتحتاج إلى عدو دائم كي تستمر.

ولعل الإعيسر لخص هذا المنطق حين استخدم تعبير “النائحة المستأجرة”، دون أن يدرك أنه لم يصف فرداً، بل نموذجاً كاملاً.

لكن النائحة هنا ليست شخصاً، بل وظيفة.

والاستئجار ليس شتيمة، بل بنية سياسية تمتد من الخطاب إلى المؤسسة.

وفي النهاية، لا يعود السؤال عن وزير أو خصم أو تكتوكر.

بل عن طريقة كاملة لإدارة السياسة.

وفي لحظة واحدة، لم يكن ما جرى مجرد انفعال لحظي، بل كان كافياً لطرح سؤال أكبر:

هل يمكن لخطاب واحد أن يكشف فراغ ثلاث حقائب في آنٍ واحد—الثقافة، والإعلام، والسياحة؟

تتحول هذه المواقع إلى صوت مرتفع بدل فكرة واضحة، فيصبح السؤال ليس عن الأشخاص، بل متى تعود هذه الصروح سيرتها الأولى،

فالحسرة تملؤنا ونحن نشاهد ما كانت عليه في زمن د. علي شمو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!