رأي

من الذي يربح حين يخسر السودان أبناءه؟ إلى أهل دارفور وكردفان وجبال النوبة

خضر كوة

 

خضر كوة

في الأوطان التي أنهكتها الحروب وتراكمت فوق جراحها الأزمات، لا يصبح السؤال الأهم من انتصر في معركة أو من سيطر على أرض، بل من الذي بقي قادراً على تحمل كلفة الخسارة. فبعد سنوات طويلة من النزاعات والدماء والنزوح، يقف السودان اليوم أمام حقيقة قاسية لا يمكن تجاهلها: لم يخرج أحد من هذه الحروب منتصراً، بينما دفع المواطن البسيط الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.

لم تنتصر الأم التي ودعت أبناءها إلى غير عودة، ولم ينتصر الطفل الذي استبدل دفاتر المدرسة بخيام النزوح، ولم ينتصر المزارع الذي هجر أرضه، ولا الراعي الذي فقد مصدر رزقه، ولا الشاب الذي تعطلت أحلامه في وطن كان يستحق مستقبلاً أفضل. لقد خسر الجميع، وخسر السودان معهم جزءاً عزيزاً من طاقته البشرية والاجتماعية والاقتصادية.

إن أكثر ما يدعو للأسى أن المجتمعات المحلية في دارفور وكردفان وجبال النوبة لم تُبنَ على الكراهية أو العداء، بل قامت عبر عقود طويلة على التعايش والتداخل الاجتماعي والمصاهرة والمصالح المشتركة. فالناس الذين يتقاسمون الماء والمرعى والأسواق والأفراح والأتراح لا يتحولون إلى أعداء بين ليلة وضحاها. لكن حين تتدخل السياسة في الجراح القديمة، وتُستغل الهويات الاجتماعية في معارك السلطة والنفوذ، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للاستقطاب والانقسام.

لقد أثبتت التجارب السودانية أن الحروب لا تبدأ دائماً بالرصاص، وإنما تبدأ بالكلمات والخطابات التي تزرع الخوف وتغذي الشكوك وتدفع الناس إلى النظر لبعضهم البعض باعتبارهم تهديداً بدلاً من شركاء في الوطن. وعندما ينتشر هذا الخطاب تتراجع الحقائق أمام الشائعات، ويتراجع العقل أمام الغضب، وتتسع دائرة الكراهية حتى يصبح الخلاف البسيط شرارة لصراع واسع لا يستفيد منه أحد.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون اليوم ليس من أطلق الرصاصة الأولى، بل من الذي استفاد من استمرار إطلاق الرصاص؟ فمنذ عقود طويلة ظل المواطن العادي يدفع ثمن الصراعات، بينما تتنافس النخب السياسية والعسكرية على السلطة والنفوذ. تغيرت الحكومات، وتبدلت التحالفات، وتغيرت الشعارات، لكن الضحايا ظلوا هم أنفسهم، والنازحون بقوا في معسكراتهم، والقرى المحروقة بقيت تنتظر الإعمار.

إن المأساة الحقيقية تكمن في تحويل التنوع السوداني، الذي يمثل أحد أعظم مصادر القوة الوطنية، إلى ساحة للصراع والتناحر. فالسودان لم يكن يوماً ملكاً لقبيلة واحدة أو جهة واحدة أو ثقافة واحدة، بل كان دائماً وطناً واسعاً تشكل عبر مساهمات جميع مكوناته. ولذلك فإن أي مشروع سياسي يقوم على التخويف من الآخر أو التحريض ضده أو استغلال الانتماءات الاجتماعية لتحقيق مكاسب مؤقتة، إنما يزرع بذور أزمات جديدة ستدفع الأجيال القادمة ثمنها.

لقد أثبت التاريخ أن السلاح قد يفرض واقعاً مؤقتاً، لكنه لا يستطيع بناء سلام دائم. كما أثبت أن الكراهية قد تمنح أصحابها نصراً عابراً، لكنها تترك وراءها مجتمعاً ممزقاً ووطناً أكثر هشاشة. أما السلام الحقيقي فلا يُبنى إلا على العدالة والاعتراف المتبادل والشراكة الوطنية واحترام كرامة الإنسان.

إن أهل دارفور وكردفان وجبال النوبة يواجهون اليوم اختباراً تاريخياً مهماً. فإما أن يسمحوا للخوف والاحتقان بإعادة تشكيل علاقتهم ببعضهم البعض، وإما أن يتمسكوا بالحقيقة الأعمق التي تجمعهم، وهي أنهم شركاء في الأرض والتاريخ والمصير. فالمعاناة التي خلفتها الحرب لم تفرق بين الناس على أساس القبيلة أو الجهة، كما أن الأمل في السلام لا يخص مجموعة دون أخرى، بل هو حلم مشترك لكل السودانيين.

ربما يكون الطريق نحو السلام طويلاً ومليئاً بالتحديات، وربما تكون الجراح أعمق من أن تلتئم بسرعة، لكن البداية الحقيقية تكمن في الاعتراف بأن السودان لن ينهض إذا ظل أبناؤه يقاتلون بعضهم البعض. وأن مستقبل دارفور وكردفان وجبال النوبة لا يمكن أن يُبنى بالكراهية أو الإقصاء، وإنما بالعدالة والمصالحة ودولة المواطنة المتساوية.

إن أعظم انتصار يمكن أن يحققه السودانيون اليوم ليس هزيمة بعضهم البعض، بل إنقاذ وطنهم من دوامة الانهيار والانقسام. وعندما تصبح حماية السودان أكبر من الحسابات الضيقة والانتماءات الصغيرة، يمكن لذاكرة الحرب أن تتحول من جرح مفتوح إلى درس تاريخي يمنع تكرار المأساة ويؤسس لمستقبل أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!