رأي

تداخل الأسئلة وشمول الرؤية: قراءة في إفادات الحوار مع د. حذيفة أبونوبة في ضوء تجارب التحالفات السياسية.  

د. جودات الشريف حامد

 

د. جودات الشريف حامد

عندما تعيد التحولات الكبرى والحاسمة رسم مسارات الواقع وملامحه المستقبلية، تتداخل الأسئلة الشائكة أكثر مما تتضح الإجابات المبذولة عنها، هنا تتلاشى الحدود بين الأدوار التنظيمية والسياسية حيث لا يتسق الفصام بينهما و أبقاء حدود فاصلة كإطار طبيعي، بحيث تبدأ الاجابات و الافادات على اسئلة الحوار في التمدد و التوسع بقدر ما تفرضه ضرورات تفكيك الواقع المُعاش.لذا يصبح أي عضو قيادي فاعل داخل التحالف”تأسيس” أكبر من مجرد حامل لصفة تنظيمية محددة، بل جزءاً أصيلاً من صوت جماعي أكبر و أفيد أن يُسمع، ويصل إلى جماهير التحالف العريض. فضمن هذا الإطار يمكن قراءة حديث الدكتور حذيفة أبونوبة، الذي جاء في إطار أريحي و فضاء مفتوح من الأسئلة، فحمل في إجاباته مزيجاً من الشرح التنظيمي والطرح السياسي و قراءة و توصيف مستقبليات حل الازمة السودانية، دون أن يبدو ذلك خروجاً متعسفاً عن موقعه التنظيمي، حيث عكست إفاداته استجابة مباشرة و عميقة لطبيعة الأسئلة التي طُرحت أمامه واتساع الموضوعات المتشعبة التي سُئل عنها في الحوار. ما هو لافت في إفادات ابونوبه ليس فقط ما قاله، لكن الطريقة الذكية التي تحرك بها بين مستويات الأسئلة ؛ من تفاصيل اللجان والهيكلة، إلى أسئلة الدولة والسلام والتفاوض والعلاقة مع الإقاليم و المستقبل، وكأن إفاداته نفسها تعكس طبيعة التحالف(تأسيس) وهو في طور التشكل، كجسم و مشروع يتلمس خطاه نحو النضج الكامل وهو يتقدم نحو غاياته المبتغاة.

غير أن هذا الاتساع و الإفاضة لا تنفي حقيقة أساسية، وهي أن داخل أي تحالف سياسي، بما في ذلك تحالف “تأسيس”، توجد قضايا دقيقة ومحددة تندرج صراحة ضمن الاختصاصات الفنية لكل لجنة على حدا ، سواء كانت تنظيمية، أو سياسية، أو تنفيذية. هذه القضايا تظل، من حيث المبدأ، محكومة تنظيمياً وهيكلياً بأطرها المؤسسية، وتُدار وفق تسلسل واضح في اتخاذ القرار. لكن في المقابل، فإن طرح هذه القضايا التنظيمية و السياسية في الفضاء العام، خاصة عبر حوار صحفي، لا يتم دائماً على أساس فصل صارم وفصام نكد، بل على أساس تقديم صورة مكتملة و شاملة تساعد المتلقي (المواطن السوداني) على فهم اتجاهات التحالف ورؤيته الكلية إجمالاً . من هنا يصبح توسع و تمدد الدكتور حذيفة المحسوب في إجاباته على أسئلة الحوار لم تكن بأي حال تجاوزاً للاختصاص، وإنما ضرورة تفسيرية و إلحاح توضيخي فرضته طبيعة الأسئلة نفسها، لأن الإجابة المجتزأة قد تخلّ بالمعنى العام ولا تنقل الغاية الكاملة مما يراد شرحه و تفسيره و توضيحه.

هذا النوع من الخطاب و التواصل الاعلامي ليس جديداً في تجارب التحالفات السياسية عبر التاريخ، بل يكاد يكون سمة و صفة ملازمة لها في مراحل النشأة أو التحولات الكبرى ذات العمق في الاثر.

ففي جنوب أفريقيا، خلال سنوات مقاومة نظام الفصل العنصري، لم تكن قيادات المؤتمر الوطني الإفريقي حينها بمن فيهم المسؤولين عن الشأن التنظيمي، يقفون عند حدود العمل الداخلي التنظيمي المألوف، لكنهم كانوا يتحدثون في قضايا أوسع تتعلق بالعقوبات الدولية، والتحالفات، وشكل الدولة المقبلة، وقد عبّر أوليفر تامبو عن هذا المعنى حين قال إن “المعركة لم تعد داخل الحدود فقط، بل في كيفية مخاطبة العالم وإقناعه بعدالة قضيتنا”، وهو قول يعكس انتقال الفاعلين التنظيميين من إدارة الداخل التنظيمي إلى تفسير و تسويق المشروع سياسياً على نطاق أوسع خارجياً. أما في الجزائر، خلال تجربة جبهة التحرير، لم يكن ممكناً الفصل الصارم بين من ينظم ومن يتحدث سياسياً..ألخ، لأن طبيعة الصراع نفسه فرضت أن تتحول معظم المواقع القيادية إلى منصات تفسير وتعبير و أيصال رسالة، وقد أشار أحمد بن بلة إلى أن “الثورة لا يتحدث باسمها أفراد بأعينهم، بل يتحدث عنها كل من يحملها ويدافع عن خطها أمام الناس”، وهو ما يوضح كيف اتسعت أدوار الكوادر التنظيمية لتشمل مخاطبة قضايا التحولات الكبرى.

وإذا انتقلنا إلى التجارب العربية، نجد أن هذا النمط و الأعراف و الأطر التنظيمية لم تكن بعيدة عنها. ففي الحالة الفلسطينية، داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية، لم يكن دور اللجان التنظيمية محصوراً في البناء التنظيمي الداخلي، إذ أن كثيراً ما تحولت كوادرها إلى صوت سياسي يطرح قضايا تتعلق بالمفاوضات والتمثيل الدولي، وقد عبّر ياسر عرفات عن هذه الحالة حين قال إن “الثورة حالة ناطقة، وكل من يحملها يعبّر عنها”، في دلالة واضحة على اتساع دائرة الخطاب داخل الإطار التنظيمي الواحد. وفي السودان، خلال تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، لم تكن الهياكل التنظيمية منفصلة عن الخطاب السياسي العام، بل وجدت نفسها، بحكم السياق، مضطرة للحديث في قضايا تتعلق بالانتقال السياسي والعلاقات الخارجية، في ظل واقع لم يكن يسمح بتقسيم جامد بين من ينظم ومن يتحدث.

وحتى في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حين كانت الدول الأوروبية تعيد بناء نفسها من الركام، لعبت التنظيمات السياسية أدواراً متداخلة، حيث لم يكن الحديث عن الاقتصاد أو الثقافة أو الفكر أو السياسة الخارجية حكراً على قمة الهرم، بل شاركت فيه مستويات مختلفة من القيادات، وهو ما عبّر عنه شارل ديغول حين أكد أن “الشرعية تُبنى عبر الفعل التنظيمي والخطاب السياسي معاً”، في إشارة إلى أن من يشتغل بتنظيم الصفوف هو ذاته مطالب أحياناً بتقديم الرؤية العامة للدولة. في تلك اللحظات، لم يكن ممكناً حصر الأدوار داخل قوالب تنظيمية محددة ، لأن الواقع نفسه كان في طور التشكل.

هذه الخلفية التاريخية تجعل من السهل فهم أن التحالفات، حين تمر بظروف استثنائية و حساسة و دقيقة، تميل إلى إنتاج نموذج مختلف من توزيع الأدوار، نموذج يقوم على التخصص من جهة، لكنه يفتح الباب للتداخل من جهة أخرى. فكل لجنة لها مجالها المحدد، نعم، لكنها في الوقت ذاته لا تعيش منكفئة في جزر معزولة، لأن المشروع الذي تنتمي إليه واحد، والخطاب الذي يعبر عن هذا المشروع واحد وفي حاجة إلى أن يكون متماسكاً، حتى لو تعددت الأصوات التي تحمله. في هذا السياق، يصبح الحديث عن العملية السياسية أو العلاقات الإقليمية امتداداً طبيعياً للحديث التنظيمي، خاصة عندما يأتي ذلك في سياق شرح وافر لا تقريرتنظيمي عابر، وفي إطار إجابة على أسئلة تتطلب رؤية كلية و ليست جزئية.لذا فإن الحوار الذي أُجري مع د. حذيفة قد طرح أسئلة تتجاوز الإطار التنظيمي المباشر، فمن الطبيعي أن تأتي الإجابات بحجم هذه الأسئلة المتشعبة و المتداخلة، لا أن تنحصر إفاداته في زاوية ضيقة لا تستجيب لما طُرح عليه من اسئلة. اللافت أيضاً أن هذا الاتساع في الإفادات لم يقترن بإطلاق مواقف تقريرية أو إفشاء تفاصيل تنظيمية او سيادية حساسة، لكنه جاء في صيغة عامة، حذرة و محسوبة بدقة، ركزت على المبادئ العامة أكثر من التفاصيل الدقيقة، وهو ما يعكس إدراكاً للحدود الفاصلة بين التعبير السياسي و التنظيمي و بين اتخاذ القرار. فالتعبير هنا يقوم بوظيفة شرح الاتجاه العام للتحالف أو الدولة المنشودة، وتقديم صورة عن كيفية رؤية التحالف للأزمة السياسية السودانية ومسارات حلها ، دون أن يدّعي احتكار القرار أو الحديث باسمه النهائي.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الحديث باعتباره جزءاً من عملية أوسع و أعظم لبناء صورة التحالف كمؤسسة و واجهات، وليس ككيان مغلق و منكفئ على ذاته، مؤسسة تتحدث عبر أكثر من مستوى و وجه و كادر، ولكن ضمن إطار موحد و غاية مشتركة و هدف أسمى واحد. هذا النمط من الخطاب الاعلامي يعكس أيضاً تحولاً مهماً من منطق “الموقع” إلى منطق “الدور”، حيث لا يُقاس إسهام اي كادر قيادي فقط بما يمليه عليه توصيفه التنظيمي داخل التحالف، لكن بما تفرضه و تمليه عليه طبيعة الحوار وموضوعاته المتداخلة، خاصة حين تتجه الأسئلة إلى قضايا مترابطة و متصلة لا يمكن فصل بعضها عن بعض دون الإخلال بالمعنى او إحداث إجتزاء مخل.

وفي مثل هذه المواقف، لا يكون التوسع او التمدد في الإجابة على الأسئلة الحوارية خروجاً عن الاختصاص بقدر ما هو استجابة لضرورة الفهم و الإفهام و الشروح اللازمة، لأن الرأي العام لا يتلقى الأدوار التنظيمية التضابطية بقدر ما يتلقى الصورة الكلية. لذلك، تبدو مثل هذه التصريحات أقرب إلى محاولة لملء فجوات التفسير، وتقديم رواية متكاملة للاتجاه العام، في الوقت الذي تحتاج فيه الساحة السياسية إلى وضوح يتجاوز النسبي إن لم يكن وضوح مُطلق و طرح شفاف، لا إلى إجابات مُنتقاة قد تزيد الغموض غموضاً بدلاً من أن إضاءات الراهن. وفي المحصلة، فإن قراءة هذا النوع من الخطاب الاعلامي بمعايير متكلسة قد تفقده حيويته معناه و غاياته المرجوة، حيث أن النظر إليه في سياق ديناميات التحالفات والانتقالات السياسية يضعه في مكانه الصحيح الذي يستحقه؛ كجزء من صوت يتكون بوعي، وحديث يكتمل تدريجياً ليبلغ المثال، ودور يتسع بنضج وبقدر ما تتسع معه أسئلة المرحلة نفسها و مساراتها المتشابكة و المعقدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!