قراءة في دستور السودان الانتقالي 2025 :هل يحسم الجهاز التشريعي بحكومة السلام تداخل الاختصاصات بين رئيس الجهاز التنفيذي وحكام الأقاليم؟
عبدالله جمعة النور

عبدالله جمعة النور
رئيس اتحاد المهنيين والنقابات بتحالف السودان التأسيسي (تأسيس)
تضطلع المجالس التشريعية في الأنظمة الديمقراطية بأدوار محورية تتجاوز سن القوانين وإجازة الموازنات العامة، لتشمل الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، ومساءلتها، وضمان عدم انحرافها عن الأهداف الوطنية والالتزامات الدستورية. كما تمثل السلطة التشريعية إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة، بما تؤديه من مهام في تقويم الأداء الحكومي وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما أعقب اندلاع الحرب من تحولات سياسية وعسكرية واسعة، برز تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) بوصفه إطاراً جامعاً لعدد من القوى السياسية والحركات المسلحة ومنظمات المجتمع المدني والمهنيين وغيرهم من الفاعلين الوطنيين. وقد تُوجت هذه الجهود بالتوقيع على الميثاق السياسي والدستور الانتقالي لسنة 2025 بمدينة نيروبي في الثاني والعشرين من فبراير 2025.
وقد نص الدستور الانتقالي على أربع سلطات رئيسية هي: السلطة الرئاسية، والسلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية. وفي هذه القراءة أتوقف عند السلطة التشريعية ودورها في معالجة بعض الإشكالات الدستورية والإدارية التي قد تؤثر على كفاءة مؤسسات الحكم خلال المرحلة التأسيسية.
الهيئة التشريعية التأسيسية
نصت المادة (56) من الدستور الانتقالي على أن الهيئة التشريعية التأسيسية سلطة مستقلة تتكون من مجلس الأقاليم ومجلس النواب، ولا يجوز حلها.
كما أكدت المادة (59) أن الهيئة التشريعية التأسيسية تمثل الإرادة الشعبية، وتضطلع بمهام التشريع على المستوى الاتحادي، ومراقبة السلطة التنفيذية، وترقية نظام الحكم اللامركزي، بالإضافة إلى صلاحيتها في تعديل الدستور.
ومن خلال القراءة المتأنية لبعض نصوص الدستور، تبرز مسألة تستحق الوقوف عندها، وهي احتمالات تداخل الاختصاصات بين رئيس مجلس الوزراء وحكام الأقاليم.
أين يكمن التداخل؟
منحت المادة (74) الخاصة بمجلس الوزراء صلاحيات واسعة تشمل:
– تنفيذ مهام الفترة التأسيسية.
– مراقبة وتوجيه أعمال أجهزة الدولة التنفيذية.
– الإشراف على الوزارات والمؤسسات والهيئات العامة.
– الموافقة على التصرف في أموال وممتلكات الدولة.
– تنفيذ القوانين واتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ مهام المرحلة التأسيسية.
وفي المقابل، نص الفصل الخاص بالمجلس الرئاسي على أن حكام الأقاليم أعضاء في المجلس الرئاسي بحكم مناصبهم، وينوبون عن رئيس المجلس في أقاليمهم.
هنا يبرز التساؤل الجوهري: هل يؤدي الجمع بين منصب حاكم الإقليم وعضوية المجلس الرئاسي إلى خلق ازدواجية في المرجعيات واختلاط في الاختصاصات بين السلطة السيادية والسلطة التنفيذية؟
من وجهة نظري، كان من الأفضل الفصل بين المنصبين، بحيث يتبع حكام الأقاليم بصورة مباشرة للسلطة التنفيذية ممثلة في مجلس الوزراء، على غرار بعض التجارب الانتقالية السابقة التي اتسمت بوضوح خطوط السلطة والمسؤولية.
إن استمرار هذا التداخل قد ينعكس سلباً على الأداء التنفيذي، ويؤدي إلى ظهور إشكالات في العلاقات الرأسية والأفقية بين مؤسسات الحكم المختلفة، فضلاً عن إضعاف آليات المساءلة الإدارية.
دور المؤسسة التشريعية في معالجة الإشكال
تقع مسؤولية معالجة هذه الإشكالات على عاتق الهيئة التشريعية التأسيسية، باعتبارها الجهة المختصة بالتشريع والرقابة والتعديل الدستوري.
ومع مباشرة مجلس الأقاليم لمهامه، يمكنه الاضطلاع بدور تشريعي ورقابي مهم إلى حين اكتمال تشكيل مجلس النواب، وذلك من خلال فتح نقاشات قانونية ومؤسسية واسعة حول مستقبل نظام الحكم اللامركزي.
ما المطلوب؟
أولاً: إصدار قانون للحكم اللامركزي
ينبغي لمجلس الوزراء إعداد مشروع قانون متكامل لتنظيم الحكم اللامركزي وتحديد الاختصاصات بدقة بين المستويات المختلفة للحكم، بما يمنع التضارب والتداخل.
كما تبرز هنا مسألة مهمة تتعلق بالولايات، إذ لم يرد ذكرها ضمن مستويات الحكم المنصوص عليها في الدستور الانتقالي، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية حول مستقبل هذا المستوى الإداري.
ثانياً: مراجعة بعض النصوص الدستورية
من المهم دراسة إمكانية تعديل بعض المواد الدستورية بما يحقق:
– الفصل بين عضوية المجلس الرئاسي ومنصب حاكم الإقليم.
– إخضاع حكام الأقاليم للسلطة التنفيذية بصورة مباشرة.
– تحديد خطوط السلطة والمسؤولية بصورة أكثر وضوحاً.
ثالثاً: حسم وضع الولايات
إذا كان المقصود الإبقاء على الولايات كمستوى إداري، فينبغي النص عليها صراحة في الدستور.
أما إذا كان الاتجاه نحو نظام الأقاليم والمحليات فقط، فيجب تحديد البديل الإداري بصورة واضحة، سواء عبر المحافظات أو المديريات أو أي صيغة أخرى تحقق الكفاءة الإدارية وتنسجم مع النصوص الدستورية.
رابعاً: إعادة هيكلة الإدارة الإقليمية
في حال اعتماد مستوى وسيط بين الإقليم والمحليات، يمكن النظر في هيكل إداري يقوم على:
– حاكم للإقليم.
– أمين عام للحكومة الإقليمية.
– مجلس وزراء إقليمي.
– محافظات أو مديريات تتبع للإقليم.
– محليات تتمتع بصلاحيات أصيلة في المجالات المالية والتنفيذية والخدمية.
كما يتطلب الأمر بناء هياكل أمنية وإدارية متكاملة على مستوى الإقليم والمحافظة والمحلية بما يضمن فاعلية الأداء الحكومي وسرعة اتخاذ القرار.
خاتمة
إن نجاح المرحلة التأسيسية يتطلب وضوحاً كاملاً في توزيع الاختصاصات بين مستويات الحكم المختلفة، وتجنب أي تداخل قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات أو تعطيل الأداء التنفيذي.
ويقع على عاتق مجلس الأقاليم، ومن بعده الهيئة التشريعية التأسيسية بكامل مكوناتها، دور كبير في معالجة هذه القضايا عبر التشريع والرقابة والحوار مع الخبراء والمتخصصين في القانون الدستوري والإدارة العامة والحكم اللامركزي.
كما أن تنظيم ورش عمل ودراسات متخصصة حول هيكل الدولة ومستويات الحكم سيكون خطوة ضرورية لضمان بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على تحقيق أهداف الفترة التأسيسية.
ويبقى هذا اجتهاداً ورؤية قابلة للنقاش والتطوير، في إطار السعي المشترك لبناء دولة تقوم على المؤسسية وسيادة القانون وكفاءة الإدارة العامة.
عبدالله جمعة النور
رئيس اتحاد المهنيين والنقابات بتحالف السودان التأسيسي (تأسيس)
العاصمة الإدارية – نيالا
الإثنين 8 يونيو 2026




