رأي

الدولة المدنية..نحو صيغة دستورية جامعة بين الهوية الوطنية والمواطنة المتساوية

د.إخلاص قرنق

 

د.إخلاص قرنق 

أزمة الهوية السودانية.. الجذر الخفي للصراع 

منذ استقلال السودان عام 1956، انشغل الخطاب السياسي بالبحث عن شكل الدولة ونظام الحكم، بينما ظل السؤال الأعمق معلقاً دون إجابة حاسمة: من نحن؟

فالأزمة السودانية في جوهرها لم تكن مجرد صراع على السلطة أو الثروة، وإنما كانت ــ إلى حد كبير ــ صراعاً حول تعريف الهوية الوطنية نفسها. وقد أدى غياب مشروع وطني جامع إلى انقسام الوعي السياسي بين تصورات متباينة للسودان؛ فهناك من رآه امتداداً للعالم العربي، وهناك من اعتبره جزءاً من الفضاء الإفريقي، بينما تمسكت مجموعات أخرى بهوياتها الإقليمية أو القبلية أو الثقافية الخاصة.

ومع مرور الزمن، تحولت هذه التباينات الطبيعية إلى استقطابات سياسية حادة، وأصبحت الهوية أداة للصراع بدلاً من أن تكون إطاراً للوحدة الوطنية.

السودان ليس هوية أحادية

إن من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها النخب السياسية السودانية محاولة تقديم السودان باعتباره دولة ذات هوية أحادية مكتملة، بينما تشير الحقائق التاريخية والاجتماعية إلى أن السودان تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل بين حضارات وثقافات وأعراق ولغات وأديان متعددة.

فالسودان عربي وإفريقي في آنٍ واحد، مسلم ومسيحي وصاحب معتقدات وثقافات محلية متنوعة، صحراوي واستوائي، رعوي وزراعي، شرقي وغربي ووسطي وجنوبي وشمالي.

هذه التعددية ليست مشكلة تحتاج إلى علاج، وإنما حقيقة موضوعية ينبغي الاعتراف بها وإدارتها بصورة عادلة.

إن محاولات اختزال السودان في هوية واحدة أدت في كثير من الأحيان إلى شعور قطاعات واسعة بالتهميش والاستبعاد، وهو ما ساهم في تغذية النزاعات المسلحة والانقسامات الاجتماعية والسياسية.

الهوية الوطنية أم الهويات الفرعية؟

لا يمكن لأي دولة حديثة أن تلغي الهويات الثقافية أو الدينية أو القبلية لمواطنيها، لكن نجاحها يقاس بقدرتها على جعل الهوية الوطنية إطاراً جامعاً لهذه الهويات جميعاً.

فالدولة المدنية لا تطلب من المواطن أن يتخلى عن قبيلته أو لغته أو ثقافته أو معتقده، وإنما تطلب منه أن يجعل انتماءه للوطن والدستور فوق جميع الانتماءات الأخرى في المجال السياسي والقانوني.

وعندما تتحول القبيلة أو العرق أو الدين إلى أساس للحصول على الحقوق أو النفوذ السياسي، تدخل الدولة في دائرة الصراع الدائم. أما عندما تصبح المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، فإن التنوع يتحول إلى مصدر ثراء وقوة.

السودانوية.. مشروع للاندماج الوطني

لقد برز خلال العقود الماضية مفهوم “السودانوية” بوصفه محاولة لتجاوز الاستقطابات التقليدية بين العروبة والأفريقانية، وبين المركز والأطراف، وبين القبائل والإثنيات المختلفة.

ولا تعني السودانوية إنكار الأصول المتعددة للمجتمع السوداني، بل تعني الاعتراف بها جميعاً داخل إطار وطني جامع، بحيث يصبح الانتماء للسودان هو القاسم المشترك الأعلى بين المواطنين.

فالسودانوية ليست بديلاً عن الثقافات المحلية، وإنما مظلة وطنية تستوعبها وتحميها وتمنحها فرصاً متساوية للتعبير والمشاركة.

الدولة المدنية كحل لأزمة الهوية

إن الدولة المدنية ليست مجرد نظام للحكم، بل تمثل في الحالة السودانية آلية دستورية لإدارة التنوع وحماية الوحدة الوطنية.

فهي دولة لا تنحاز لدين أو عرق أو جهة أو قبيلة، ولا تمنح امتيازات سياسية لفئة دون أخرى، وإنما تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين.

وفي ظل الدولة المدنية يصبح معيار الانتماء للدولة هو المواطنة، ويصبح معيار تولي المناصب العامة هو الكفاءة، ويصبح الدستور هو المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع.

وبذلك تنتقل المنافسة السياسية من صراع حول الهويات إلى تنافس حول البرامج والسياسات والرؤى التنموية.

الهوية والدستور

لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا ظل الدستور نفسه ساحة للصراع حول هوية الدولة. ولذلك فإن الدستور الناجح هو الذي يعترف بالتنوع الثقافي والديني واللغوي للمجتمع، ويضمن حقوق جميع مكوناته، دون أن يجعل هوية فئة معينة أساساً لشرعية الدولة.

فالدساتير الحديثة لا تُبنى على تفوق جماعة على أخرى، وإنما تُبنى على عقد اجتماعي يضمن المساواة بين الجميع.

ولهذا فإن الهوية الدستورية للدولة المدنية يجب أن تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:

المواطنة المتساوية.

الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني واللغوي.

سيادة القانون والدستور على الجميع.

خاتمة

إن السودان لا يحتاج إلى دولة دينية تفرض هوية واحدة على الجميع، كما لا يحتاج إلى صراع جديد حول تعريف الذات الوطنية. ما يحتاجه السودان هو دولة مدنية ديمقراطية تجعل المواطنة أساس الانتماء السياسي، وتحترم التنوع باعتباره ثروة وطنية لا تهديداً وجودياً.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل السودان عربي أم إفريقي؟ مسلم أم متعدد الأديان؟ شرقي أم غربي؟

السؤال الحقيقي هو: كيف نبني دولة يتساوى فيها جميع السودانيين مهما اختلفت أصولهم وثقافاتهم ومعتقداتهم؟

وعندما تصبح المواطنة هي الإجابة، تصبح الدولة المدنية هي الإطار الدستوري الأكثر قدرة على حماية الوحدة الوطنية وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!