
عاطف نواي
ليست بعض اللحظات في تاريخ الشعوب مجرد أحداث عابرة، بل تتحول إلى علامات فارقة تعيد تشكيل الوعي الجمعي وتكسر الصور النمطية التي ترسخت لعقود طويلة. ومن هذا النوع من اللحظات جاءت واقعة قرع رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو جرس انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في مناطق ظلت لعقود طويلة خارج دائرة اهتمام الدولة المركزية.
هذه اللحظة لم تكن مجرد إجراء إداري يتعلق بالعملية التعليمية، بل حملت في طياتها دلالات سياسية واجتماعية ونفسية عميقة، تتصل مباشرة بقضية الهامش والمركز، وبالسؤال التاريخي حول من يملك حق الحكم وإدارة الدولة في السودان.
لقد عاش أبناء الهامش لعقود طويلة تحت وطأة خطاب سياسي وثقافي عمل بصورة منظمة على ترسيخ شعور خفي بالدونية، وإقناعهم بأن السلطة امتياز طبيعي لفئات محددة دون غيرها، وأن مواقع القيادة والإدارة العليا ليست سوى فضاءات مغلقة لا مكان فيها لأبناء الأطراف مهما امتلكوا من كفاءة أو علم أو تجربة.
ولهذا ظل كثير من أبناء الهامش ينظرون إلى أنفسهم بعين الشك، ويتوقعون الفشل لأي مسؤول ينتمي إلى مناطقهم حتى قبل أن يبدأ أداء مهامه، بينما يجد المسؤول القادم من المركز دعماً سياسياً وإعلامياً ومؤسسياً يجعله يبدو وكأنه الخيار الطبيعي للحكم والإدارة.
السؤال الذي ظل مطروحاً لسنوات طويلة هو: هل فشل أبناء الهامش فعلاً في إدارة الدولة؟ أم أن منظومة كاملة من الإقصاء والتهميش وحرمان الموارد ظلت تُقام أمامهم المتاريس والعراقيل حتى لا تتحقق لهم فرص النجاح؟
الحقيقة أن التجربة السودانية أثبتت أن المشكلة لم تكن في الإنسان الذي ينتمي إلى الهامش، وإنما في بنية الدولة نفسها، وفي احتكار السلطة والثروة والفرص داخل دائرة ضيقة ظلت تسيطر على مقدرات البلاد لعقود متطاولة.
ومن هنا تكتسب تجربة حكومة السلام الانتقالية (تأسيس) أهميتها السياسية والتاريخية. فقد نجحت، رغم ظروف الحرب والتحديات الاقتصادية والأمنية المعقدة، في تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق ظلت لسنوات طويلة محرومة من أبسط الخدمات التعليمية، وهو إنجاز يتجاوز البعد الإداري إلى بعد رمزي شديد الأهمية.
إن الصورة التي شاهدها السودانيون لرئيس قادم من عمق الهامش وهو يقرع جرس الامتحانات ليست مجرد صورة بروتوكولية، بل تعبير عن تحوّل عميق في ميزان الوعي الوطني. فالرجل الذي نشأ في بيئة الرعاة والرحّل، وعرف مشقة الحياة في أطراف السودان، يقف اليوم ليعلن انطلاق امتحانات لأبناء مناطق حُرم آباؤهم وأجدادهم طويلاً من فرص التعليم والتنمية.
إن قيمة هذه اللحظة لا تكمن في شخص الرئيس وحده، وإنما في الرسالة التي تحملها للأجيال الجديدة: أن أبناء الهامش قادرون على القيادة والإدارة والنجاح، وأن الكفاءة ليست حكراً على منطقة جغرافية أو جماعة اجتماعية بعينها.
لقد ساهم هذا الإنجاز، إلى جانب جهود نائب رئيس المجلس الرئاسي القائد عبدالعزيز الحلو، ورئيس الوزراء محمد حسن التعايشي، وأعضاء المجلس الرئاسي والوزراء وحكام الأقاليم والكوادر الفنية والتربوية والإدارية، في تقديم نموذج عملي يؤكد أن الإرادة السياسية قادرة على تجاوز عقبات الحرب والتهميش وصناعة الأمل.
والأهم من ذلك أن نجاح امتحانات الشهادة السودانية أسقط كثيراً من الأحكام المسبقة التي ظلت تُردد بأن أبناء الهامش غير قادرين على إدارة مؤسسات الدولة، كما بدد دعاوى الذين كانوا يصفون حكومة تأسيس بأنها مجرد ظاهرة عابرة أو حكومة بلا تأثير حقيقي على الأرض.
لقد أثبتت التجربة أن الشعوب لا تُقاس بأصولها الجغرافية، بل بما تمتلكه من إرادة وعزيمة وقدرة على صناعة المستقبل. وأثبتت كذلك أن السودان الجديد لن يُبنى على احتكار السلطة، وإنما على المشاركة والعدالة والمساواة بين جميع أبنائه.
لقد كان قرع الجرس أكثر من بداية امتحان دراسي؛ كان إعلاناً رمزياً عن كسر حاجز نفسي ظل يطارد أجيالاً كاملة من أبناء الهامش. وكان رسالة واضحة بأن زمن احتكار الفرص قد بدأ في الأفول، وأن إرادة الشعوب، مهما تأخر انتصارها، تظل أقوى من كل محاولات الإقصاء والتهميش.
إنها لحظة تقول بوضوح إن أبناء الهامش ليسوا أقل قدرة من غيرهم، وإن السودان يتسع للجميع، وإن المستقبل تصنعه الكفاءة والإرادة لا الجغرافيا ولا الامتيازات التاريخية.




