السكك الحديدية والتنمية من الهامش إلى الوطن: لماذا يجب أن تبدأ نهضة السودان الجديد من بابنوسة ونيالا؟
عماد جدو

عماد جدو
عندما تتحدث الدول عن إعادة البناء بعد الحروب، فإنها لا تبدأ بالشعارات السياسية ولا بالمهرجانات الاحتفالية، وإنما تبدأ بإعادة بناء الجسور والطرق وخطوط النقل التي تعيد الحياة إلى المجتمعات وتربط الإنسان بمصادر رزقه ومحيطه الوطني. وفي السودان، لا يوجد مشروع أكثر قدرة على تجسيد هذا المعنى من مشروع إعادة إحياء السكك الحديدية، ذلك المرفق الذي كان يوماً ما رمزاً لوحدة البلاد الاقتصادية والاجتماعية قبل أن يصبح شاهداً على عقود من الإهمال وسوء التخطيط وهيمنة العقلية المركزية.
لقد كان انهيار السكك الحديدية السودانية نتيجة طبيعية لسياسات النخب الحاكمة التي نظرت إلى التنمية باعتبارها امتيازاً للمركز وليست حقاً للأقاليم. فعلى مدى عقود طويلة، تركزت الاستثمارات والخدمات والبنى التحتية في الخرطوم وبعض المدن الكبرى، بينما تُركت مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني في كردفان ودارفور والنيل الأزرق وشرق السودان تواجه العزلة والتهميش وانعدام الخدمات الأساسية.
واليوم، بينما تطرح حكومة السلام مشروعها لبناء السودان الجديد على أسس العدالة والمواطنة والتنمية المتوازنة، فإن الفرصة التاريخية تفرض إعادة ترتيب أولويات الدولة بصورة مختلفة. فالتنمية الحقيقية لا ينبغي أن تنطلق من المركز نحو الأطراف كما كان يحدث في السابق، بل يجب أن تبدأ من الأطراف التي دفعت أثمان الحروب والتهميش، ثم تمتد آثارها الإيجابية إلى بقية أنحاء الوطن.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع إعادة تأهيل خط السكة الحديد الرابط بين بابنوسة والضعين ونيالا لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مشروع نقل، وإنما باعتباره مشروعاً سياسياً وتنموياً واستراتيجياً يعبر عن فلسفة الدولة الجديدة التي تسعى حكومة السلام إلى تأسيسها.
إن هذا الخط يمثل العمود الفقري لاقتصاد إقليم يمتلك ثروات هائلة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة الحدودية، ويضم ملايين المواطنين الذين ظلت مساهماتهم في الاقتصاد الوطني أكبر بكثير من نصيبهم من التنمية والخدمات. وإعادة تشغيله ستؤدي إلى خفض تكاليف النقل بصورة كبيرة، وتسهيل حركة السلع والبضائع، وفتح الأسواق أمام المنتجين المحليين، وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية في المناطق التي ظلت معزولة لعقود طويلة.
لكن الطموح يجب ألا يتوقف عند حدود إعادة تأهيل الخط القائم. المطلوب هو تبني رؤية استراتيجية متكاملة ضمن خطة خمسية تمتد فيها شبكة السكك الحديدية غرباً إلى الجنينة، وشمالاً نحو العاشر، وتربط المدن والمناطق الحيوية مثل كاس وزالنجي وجبل مرة، لتشكيل شبكة نقل حديثة تربط مجتمعات دارفور ببعضها البعض، وتعيد دمجها في الاقتصاد الوطني والإقليمي.
إن هذه الرؤية لا تمثل مشروعاً خدمياً فحسب، بل تشكل أداة فعالة لتحقيق السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي. فالتاريخ يعلمنا أن الطرق وخطوط السكك الحديدية لا تنقل البضائع فقط، وإنما تنقل الأفكار والثقافات والفرص، وتكسر عزلة المجتمعات، وتعزز شعور المواطنين بالانتماء إلى دولة واحدة ومصير مشترك.
كما أن إعادة بناء السكك الحديدية في مناطق الهامش تحمل رسالة سياسية بالغة الأهمية مفادها أن السودان الجديد لن يُبنى وفق أولويات المركز القديمة، بل وفق احتياجات المواطنين الحقيقية أينما كانوا. وهي رسالة تعكس تحولاً جوهرياً في مفهوم السلطة والتنمية، من دولة تتركز فيها الموارد والخدمات في العاصمة إلى دولة تتوزع فيها فرص التنمية بصورة عادلة ومتوازنة.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى السيد وزير الطرق والمواصلات بحكومة السلام الدكتور خالد أصيل أحمد، الذي يقع على عاتقه دور تاريخي في قيادة هذا التحول. فالمواطنون ينتظرون منه أن يجعل من مشروع السكك الحديدية عنواناً لمرحلة جديدة من التنمية والإعمار، وأن يقدم نموذجاً عملياً لما تعنيه العدالة التنموية التي ظلت مطلباً أساسياً لأهل السودان في الأقاليم المختلفة.
إن نجاح الوزارة في إعادة الحياة إلى خطوط السكك الحديدية سيكون أكثر من مجرد إنجاز فني أو إداري؛ سيكون إعلاناً عملياً عن ميلاد رؤية جديدة للدولة السودانية، رؤية تنطلق من الإنسان واحتياجاته، وتبدأ من المناطق الأكثر تهميشاً لتصل آثارها إلى كل شبر من أرض الوطن.
لقد انطلقت الثورة والتغيير من الهامش، ومن الطبيعي أن تبدأ التنمية من الهامش أيضاً. فالسودان الذي ننشده ليس سودان الطرق المؤدية إلى المركز فقط، وإنما سودان الشبكات التي تربط كل مدينة وقرية وريف ببعضها البعض في منظومة وطنية متكاملة.
إن قطار التنمية الذي ينتظره السودانيون اليوم لا ينبغي أن يغادر من الخرطوم وحدها، بل يجب أن تنطلق صافرة رحلته الأولى من بابنوسة والضعين ونيالا والجنينة وزالنجي وجبل مرة، لأن بناء الوطن يبدأ دائماً من حيث كانت المعاناة أكبر، ومن حيث يكون الأمل أكثر إلحاحاً.
وهكذا تصبح السكك الحديدية أكثر من وسيلة نقل؛ تصبح رمزاً للعدالة، وجسراً للوحدة الوطنية، وأحد أهم الأعمدة التي يمكن أن تقوم عليها الدولة السودانية الجديدة التي يحلم بها الجميع.




