رأي

حين تتراجع القيادة ويدفع الوطن الثمن

حسن النعمان

 

 حسن النعمان 

تمرّ الأمم أحياناً بلحظات فارقة تكشف حقيقة مؤسساتها، وتختبر صدقية الشعارات التي رفعتها لعقود. وفي السودان، تبدو هذه اللحظة أكثر قسوة من أي وقت مضى، إذ نشهد مشهداً غير مألوف في تاريخ الدول الحديثة؛ جيشاً يبحث عن الاحتماء بالمواطنين بدلاً من أن يكون هو الحصن الذي يحتمي به المواطنون.

لقد وُجدت الجيوش لتكون خط الدفاع الأول عن الأوطان، ولتجسد قيم التضحية والانضباط والشجاعة. غير أن المأساة تبدأ عندما تنقلب الأدوار، فيُدفع المدنيون إلى واجهة الخطر، بينما تتراجع المؤسسة التي يفترض أن تتحمل مسؤولية حماية المجتمع وصون الدولة. وعندما يصبح المواطن هو من يدفع الثمن الأكبر للحرب، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بميدان المعركة وحده، بل بطبيعة القيادة التي تدير تلك المعركة.

والأشد مرارة أن يتحول الانسحاب من مواقع المسؤولية إلى مادة للتبرير السياسي، وأن يُقدَّم التراجع على أنه إنجاز، بينما يُترك الجنود والمواطنون لمواجهة مصيرهم وسط أجواء من الخوف والاضطراب وعدم اليقين. فالقائد الحقيقي لا يُقاس بحجم الشعارات التي يرفعها، وإنما بقدرته على تحمل المسؤولية في أوقات الشدة، وباستعداده لدفع الثمن مع من يقودهم، لا أن يبحث عن النجاة لنفسه ويترك الآخرين يواجهون المصير وحدهم.

في كل التجارب العسكرية الكبرى، ظلت علاقة القائد بجنوده قائمة على الثقة والمسؤولية المشتركة. فحين يشعر الجندي أن قائده يشاركه الخطر ويقف معه في الميدان، تتعزز الروح المعنوية ويترسخ الانضباط. أما حين تتآكل هذه الثقة، فإن المؤسسة نفسها تبدأ في فقدان تماسكها الداخلي وهيبتها المعنوية، مهما امتلكت من عتاد أو إمكانات.

إن ما تعيشه البلاد اليوم ليس نتاج الحرب وحدها، بل هو حصيلة سنوات طويلة من الفشل السياسي والإداري، تراكمت خلالها الأخطاء حتى تحولت إلى أزمات بنيوية ضربت مؤسسات الدولة وأضعفت ثقة المواطنين فيها. فحين تُدار الشؤون العامة بعقلية المؤامرة والإقصاء، وحين تُقدَّم الولاءات الضيقة على الكفاءة والمسؤولية الوطنية، تصبح الدولة نفسها أسيرة للسياسات التي صنعتها.

لقد أدى هذا النهج إلى اتساع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وإلى انهيار الثقة في الخطاب الرسمي الذي ظل يعد الناس بالأمن والاستقرار بينما كانت الأزمات تتفاقم من حولهم. وبينما تُرفع الشعارات الكبيرة، يجد المواطن نفسه مثقلاً بأعباء الحرب والنزوح والفقر وتراجع الخدمات، محروماً من أبسط مقومات الحياة الكريمة التي يفترض أن تكفلها الدولة.

وفي خضم هذه الأوضاع، تتكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: الأوطان لا تُدار بالخوف، ولا تُحمى بالدعاية، ولا تُبنى بالأكاذيب المتراكمة. فالحقيقة قد تتأخر لكنها لا تغيب، والتاريخ قد يصبر لكنه لا ينسى. وكل سلطة تعتقد أن بإمكانها الإفلات من المحاسبة أو الاختباء خلف الخطابات الرنانة، سرعان ما تكتشف أن الوقائع أكثر صلابة من الشعارات، وأن ذاكرة الشعوب أبقى من أعمار الأنظمة.

إن السودان اليوم في حاجة إلى مراجعة وطنية شجاعة، مراجعة تعترف بالأخطاء قبل البحث عن مبرراتها، وتضع مصلحة الإنسان السوداني فوق المصالح الفئوية والحسابات الضيقة. فالأوطان لا تنهض إلا بالصدق، ولا تستقر إلا بالعدالة، ولا تتماسك إلا حين يشعر مواطنوها بأن حقوقهم وكرامتهم مصونة ومحفوظة.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً من أرواحهم وأمنهم واستقرارهم، وما زالوا يتحملون أعباء أزمة لم يكونوا سبباً فيها. ولذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تتقدم الحقيقة على الدعاية، وأن تتقدم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وأن يُعاد الاعتبار لقيم المسؤولية والمحاسبة التي لا تقوم الدول بدونها.

ويبقى الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من كل سلطة عابرة، وأعظم من كل المناصب والمكاسب المؤقتة. أما الشعوب، فإنها قد تصبر طويلاً، لكنها لا تنسى من خذلها، ولا تغفر بسهولة لمن جعلها تدفع وحدها فاتورة الأخطاء والكوارث.

فيا للعار من واقعٍ صار فيه المواطن هو الضحية الدائمة. ويا للعار من زمنٍ اختلطت فيه المسؤولية بالتبرير، والحقيقة بالدعاية، والمصلحة الوطنية بالمصالح الضيقة. غير أن الأمل يظل قائماً ما دام هناك من يؤمن بأن الأوطان تُبنى بالصدق والشجاعة والعدالة، لا بالخوف والكذب والإنكار.هذا العنوان أكثر انسجاماً مع الفكرة الرئيسية للمقال، لأنه يربط مباشرة بين أزمة القيادة والنتائج التي يتحملها المواطن والوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!