
نجم الدين دريسة
ليس اخطر من الجهل الا الجهل المتسلح بالحقد والكراهية
في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني، كانت هناك معركة خفية تدور بعيداً عن ميادين الحروب وساحات السياسة وأسواق الاقتصاد. معركة لا تُستخدم فيها المدافع ولا تُرفع فيها الرايات، لكنها أكثر فتكاً من الرصاص وأشد أثراً من الخراب المادي. إنها معركة اغتيال الشخصية؛ ذلك السلاح الصامت الذي يقتل الإنسان وهو على قيد الحياة، وينال من سمعته قبل أن ينال من جسده، ويستهدف مكانته في قلوب الناس قبل أن يستهدف وجوده بينهم.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بإيذاء فرد بعينه، بل تتحول مع الزمن إلى ثقافة عامة تنخر في جسد المجتمع كما تنخر الديدان في الخشب الصلب حتى تتركه قائماً في الظاهر ومنهاراً في الداخل. فالمجتمعات لا تسقط فقط بسبب الفقر أو الحروب أو الأزمات الاقتصادية، وإنما قد تسقط أيضاً عندما تتحول إلى بيئة معادية للنجاح، وحين يصبح التفوق جريمة، والتميز تهمة، والإنجاز سبباً للهجوم والإقصاء.
إن اغتيال الشخصية ليس نقداً، ولا يدخل في إطار حرية التعبير كما يحاول البعض أن يصوره. فالنقد الحقيقي فعل حضاري يستهدف الفكرة من أجل تطويرها، والقرار من أجل تصحيحه، والأداء من أجل تحسينه. أما اغتيال الشخصية فهو انحراف أخلاقي وفكري يترك الفكرة جانباً ويتجه مباشرة نحو صاحبها، فيبحث عن عيوبه، أو يختلق له عيوباً، أو يشوه دوافعه، أو يطعن في نواياه، أو يقلل من شأن إنجازاته، بغرض إسقاطه أمام الرأي العام وتجريده من احترام الآخرين.
ولأن أصحاب العجز الفكري لا يملكون القدرة على هزيمة الفكرة بالحجة، فإنهم يلجأون إلى هزيمة صاحبها بالتشويه. وحين يعجزون عن مجاراة الناجح في ميدانه، يحاولون جره إلى مستنقع الاتهامات والشائعات. وهكذا تتحول المعركة من ساحة العقل إلى ساحة الغرائز، ومن ميدان البرهان إلى ميدان التشهير.
في السودان، كما في كثير من المجتمعات التي تعاني من الاستقطاب السياسي والاجتماعي، أصبحت ظاهرة اغتيال الشخصية واحدة من أكثر الظواهر انتشاراً وتأثيراً. فمن النادر أن يبرز شخص في مجال السياسة أو الثقافة أو الإدارة أو العمل الطوعي أو الإعلام إلا وتبدأ حوله حملات التشكيك والتقليل من شأنه. لا يُسأل عما أنجز، بل عما يُشاع عنه. ولا يُقاس بما قدم، بل بما يستطيع خصومه اختلاقه ضده.
واللافت للنظر أن هذه الحملات لا تستهدف الفاشلين عادة، بل تستهدف الناجحين على وجه الخصوص. فالشخص الذي لا أثر له في مجتمعه لا يشكل تهديداً لأحد، أما صاحب الإنجاز والتأثير فإنه يوقظ لدى البعض مشاعر الحسد والغيرة والمنافسة غير الشريفة. ولذلك يصبح النجاح نفسه سبباً مباشراً للاستهداف.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية. فبدلاً من أن يتحول الناجح إلى مصدر إلهام، يتحول إلى هدف للرمايات. وبدلاً من أن يُحتفى بالمبادرات الخلاقة، تُقابل بالسخرية والتشكيك. وبدلاً من أن تُكافأ الكفاءة، تُحاصر بالشائعات. وفي مثل هذه البيئات يختار كثير من المبدعين الانسحاب بصمت، ليس لأنهم عاجزون عن العطاء، بل لأنهم سئموا من دفع ثمن النجاح.
لقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه الظاهرة أجنحة إضافية. ففي الماضي كانت الشائعة تحتاج إلى وقت طويل حتى تنتشر، أما اليوم فإن منشوراً واحداً مجهول المصدر يمكن أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق معدودة. وأصبح من السهل على أي شخص أن يتحول إلى قاضٍ ومحقق وجلاد في الوقت نفسه، يصدر الأحكام دون بينة، ويطلق الاتهامات دون دليل، ويشارك في حملات التشهير دون أن يتحمل أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية.
والأخطر من ذلك أن البيئة الرقمية الحديثة خلقت ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الإثارة”، حيث تجذب الأكاذيب والتهم والفضائح اهتماماً أكبر من الحقائق. فكلما كانت الرواية أكثر صدمة زادت فرص انتشارها، حتى وإن كانت ملفقة بالكامل. وهكذا يصبح الكذب أكثر ربحاً من الصدق، والتشويه أكثر انتشاراً من الإنصاف.
ولم تسلم النساء من هذه الظاهرة، بل ربما كنّ أكثر الفئات تعرضاً لها. فالناشطات والصحفيات والقياديات كثيراً ما يواجهن حملات تستهدف حياتهن الشخصية وكرامتهن الإنسانية بدلاً من مناقشة أفكارهن أو مواقفهن. والهدف في كثير من الأحيان ليس مجرد النقد، بل دفعهن إلى الانسحاب من الفضاء العام وإقصاؤهن عن المشاركة في الشأن العام.
إن المجتمعات التي تسمح بازدهار ثقافة اغتيال الشخصية تدفع ثمناً باهظاً قد لا تدركه في البداية. فحين يُحارب أصحاب الكفاءة ويُكافأ أصحاب الضجيج، تختل منظومة القيم. وحين يصبح التشهير أسهل من الإنجاز، يتراجع الإنتاج ويصعد الرداءة. وحين يخاف العقلاء من الكلام، يعلو صوت الجهلاء.
ولذلك فإن أخطر نتائج اغتيال الشخصية ليست الضرر الذي يلحق بالفرد المستهدف، وإنما الضرر الذي يلحق بالمجتمع بأكمله. فكل شخصية يتم تحطيمها ظلماً تمثل خسارة لرصيد الثقة العامة. وكل كفاءة تُدفع إلى الهامش تعني تراجعاً في فرص التنمية والتقدم. وكل شائعة تنتصر على الحقيقة تضعف مناعة المجتمع الأخلاقية والفكرية.
لقد أدركت الأمم المتقدمة هذه الحقيقة مبكراً، فأنشأت ثقافات ومؤسسات تحمي المبدعين وتدافع عن سمعتهم وتوفر لهم البيئة اللازمة للعطاء. أما المجتمعات التي استسهلت تحطيم رموزها وتشويه أصحاب الإنجازات فيها، فقد وجدت نفسها عاجزة عن بناء المستقبل لأنها كانت تهدم كل من يحاول المساهمة في صناعته.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في إعادة بناء ما دمرته الحروب والأزمات، وإنما في إعادة بناء الثقافة العامة على أسس جديدة تقوم على احترام الاختلاف وتقدير الإنجاز وفصل النقد الموضوعي عن الإساءة الشخصية. فلا يمكن لمجتمع أن يتقدم إذا ظل أسيراً لعقلية تهدم الناجحين بدلاً من دعمهم، وتشجع الإقصاء بدلاً من المنافسة الشريفة.
إننا بحاجة إلى ترسيخ مبدأ بسيط وعظيم في الوقت نفسه: ناقش الفكرة مهما اختلفت معها، لكن لا تحطم صاحبها. انتقد الأداء مهما كان ضعيفاً، لكن لا تفتك بالكرامة الإنسانية. اختلف كما تشاء، لكن لا تجعل الاختلاف مبرراً للكراهية والتشويه.
فالأمم العظيمة لا تُقاس بعدد أبنيتها الشاهقة ولا بحجم ثرواتها فقط، وإنما تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية أصحاب العقول والأفكار والمبادرات. وكل مجتمع يطارد المبدعين ويحتفي بالمحرضين إنما يحكم على نفسه بالبقاء في دائرة التخلف مهما امتلك من موارد وإمكانات
ويبقى اغتيال الشخصية شكلاً من أشكال العنف المعنوي الذي قد لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يترك جروحاً أعمق من جروح السلاح. إنه جريمة ضد الفرد، لكنه أيضاً جريمة ضد المستقبل. ولذلك فإن مقاومته ليست مسؤولية الضحايا وحدهم، بل مسؤولية المجتمع كله؛ لأن المجتمع الذي يحمي سمعة أبنائه ويحترم نجاحهم هو المجتمع القادر على صناعة نهضته، أما المجتمع الذي يجعل من التشويه هواية ومن الحسد ثقافة ومن الإساءة وسيلة للصعود، فإنه لا يغتال الأشخاص فحسب، بل يغتال أحلامه ومستقبله بيديه.




