
بروفيسور ناصر ساتي
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل تعرضت السيادة السودانية لانتهاك؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا بعد سيل الإدانات والبيانات الغاضبة التي تتكرر في كل مرة تتعرض فيها البلاد لتجاوز جديد من الجارة الشمالية؟
فالتاريخ بين السودان ومصر ليس تاريخًا خاليًا من التوترات والصراعات والمطامع المتبادلة. ومن يقرأ نقوش جبل سليمان وما وثقته الحضارات القديمة يدرك أن قضية الدفاع عن الأرض والهوية والسيادة ليست قضية طارئة في تاريخ السودان، بل هي جزء أصيل من مسيرته الطويلة. لقد واجه أسلاف السودانيين محاولات الهيمنة بروح المقاومة والكبرياء، وسجلوا مواقف لا تزال شاهدة على أن هذا الشعب لم يكن يومًا مستعدًا للتنازل عن حقه في أرضه وقراره الوطني.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في التحول الذي أصاب جزءًا كبيرًا من النخبة السياسية السودانية منذ الاستقلال. فبدل أن تبني مشروعًا وطنيًا مستقلاً يحمي مصالح السودان ويصون سيادته، انشغلت بالصراعات الداخلية والحسابات الضيقة، وكرست حالة من التبعية السياسية والفكرية جعلت كثيرًا من القضايا الوطنية الكبرى رهينة لموازين خارجية لا تراعي مصلحة السودان أولًا.
إن ما نشهده اليوم من ردود أفعال تقتصر على الإدانة اللفظية لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تواجه البلاد. فالبيانات مهما بلغت حدتها لا تردع الأطماع، والخطابات مهما ارتفعت نبرتها لا تحمي الحدود، والتصريحات مهما تكررت لا تصنع سياسة وطنية قادرة على فرض احترام السودان ومصالحه.
ولهذا فإن الأزمة الحقيقية ليست فقط في السلوك المصري الرسمي الذي يسعى إلى حماية مصالحه وفق رؤيته الخاصة، وإنما في غياب مشروع وطني سوداني متكامل قادر على إدارة العلاقة مع القاهرة من موقع الندية والمصلحة المتبادلة. فالدول لا تحترم الشعارات بقدر ما تحترم موازين القوة والإرادة الوطنية والقدرة على حماية المصالح الاستراتيجية.
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن بناء السيادة لا يتحقق بالانفعالات الموسمية ولا بحملات الغضب المؤقتة، وإنما عبر تأسيس دولة قوية تمتلك مؤسسات فعالة واقتصادًا منتجًا وإرادة سياسية مستقلة. وعندما تتوفر هذه العناصر يصبح أي اعتداء على السودان مكلفًا، وتصبح المصالح الوطنية خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
إن المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات، بل إنتاج عقل سياسي جديد يتجاوز إرث ما بعد الاستقلال بكل إخفاقاته. عقل يؤمن بأن السيادة ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، وإنما مشروع عمل يومي يبدأ ببناء الدولة وينتهي بحماية الحدود والموارد والثروات الوطنية.
كما أن المطلوب من الشارع السوداني أن يستعيد دوره التاريخي في صناعة النخب لا في انتظارها. فالتغيير الحقيقي يبدأ عندما يفرز المجتمع قيادات تمتلك الشجاعة والرؤية والاستقلالية، وتضع مصلحة السودان فوق أي ارتباطات أو حسابات خارجية. السودان لا يفتقر إلى الكفاءات ولا إلى أصحاب المواقف، بل يزخر برجال ونساء أثبتوا عبر مختلف المراحل قدرتهم على الدفاع عن قضايا الوطن بشجاعة وثبات.
وفي النهاية، فإن التحدي المطروح أمام السودانيين اليوم أكبر من مجرد الرد على حادثة بعينها أو إصدار بيان إدانة جديد. إنه تحدي إعادة بناء الدولة الوطنية على أسس جديدة تجعل السودان سيد قراره وصاحب الكلمة الأولى في شؤونه الداخلية والخارجية.
فالأوطان لا تُحمى بالخطب وحدها، ولا تُصان بالإدانات المتكررة، وإنما تُحمى بإرادة شعبية واعية، ومؤسسات قوية، ونخب وطنية تدرك أن السيادة ليست موضوعًا للمزايدة السياسية، بل مسؤولية تاريخية لا تحتمل التردد أو المساومة.




