الحكم اللامركزي الفدرالي في السودان قراءة في التجربة والتحديات وآفاق التطوير (الحلقةالاولي )
عبدالله جمعة النور: خبير الحكم والإدارة

عبدالله جمعة النور: خبير الحكم والإدارة
رئيس اتحاد المهنيين والنقابات بتحالف السودان التأسيسي
مقدمة
يشكل نظام الحكم اللامركزي الفدرالي أحد المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها البناء الدستوري للدولة السودانية، حيث نص الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025 على اعتماد اللامركزية السياسية والإدارية والقانونية والمالية باعتبارها من المبادئ فوق الدستورية التي لا يجوز الانتقاص منها أو تجاوزها.
وتنبع أهمية اللامركزية في السودان من جملة عوامل موضوعية تتصل بطبيعة البلاد الجغرافية واتساع مساحتها وتباعد أقاليمها، إلى جانب التفاوت التنموي بين المناطق وضعف البنيات التحتية ووسائل الاتصال والمواصلات، فضلاً عن التنوع الثقافي والإثني والديني الذي يمثل أحد أهم عناصر الثراء الوطني. غير أن السياسات التي انتهجتها الأنظمة المركزية المتعاقبة، وعلى وجه الخصوص نظام الحركة الإسلامية، أسهمت في تحويل هذا التنوع إلى مصدر للتوتر والصراع عبر ممارسات الإقصاء والتهميش وعدم عدالة توزيع السلطة والثروة، مما أضعف النسيج الوطني وأدى إلى تفاقم الاختلالات التنموية بين الأقاليم.
التطور التاريخي للحكم اللامركزي
شهد السودان عدة مراحل في تطور نظم الحكم اللامركزي. فقد صدر المرسوم الدستوري الرابع في الرابع من فبراير 1983، والذي ألغى قانون الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان لسنة 1972 وقانون الحكم الإقليمي لسنة 1971 وقانون العاصمة القومية لسنة 1973، وأعاد تقسيم البلاد إلى أقاليم متعددة، مع إعادة تنظيم أجهزة الحكم على المستويين القومي والإقليمي.
وفي السنوات اللاحقة صدرت مجموعة من المراسيم الدستورية المكملة التي أسهمت في إعادة تشكيل البنية الإدارية للدولة، ومن أبرزها المرسوم الدستوري العاشر لسنة 1993 الذي رفع عدد الولايات، والمرسوم الحادي عشر لسنة 1994 الخاص بنظم الحكم، والمرسوم الثاني عشر لسنة 1995 المتعلق بقسمة الإيرادات، إضافة إلى المرسوم الرابع عشر لسنة 1997 بشأن تنفيذ اتفاقيات السلام.
كما استحدثت خلال تلك المرحلة آليات للتنسيق بين مستويات الحكم، أبرزها ديوان الحكم الاتحادي، إلى جانب مؤسسات هدفت إلى تحقيق قدر من العدالة في توزيع الموارد بين الولايات عبر صناديق الدعم والتنمية.
دستور 1998 وترسيخ الفدرالية
مثّل دستور 1998 محطة مهمة في مسار الحكم اللامركزي، حيث نص لأول مرة بصورة واضحة على إنشاء المحكمة الدستورية لتكون الجهة المختصة بحسم النزاعات بين مستويات الحكم المختلفة وضبط العلاقة القانونية بينها.
كما منح الدستور ديوان الحكم الاتحادي وضعاً دستورياً مستقلاً بعد أن كان مجرد مؤسسة منشأة بقرار تنفيذي، الأمر الذي أسهم في تعزيز الإطار المؤسسي للحكم اللامركزي.
الدستور الانتقالي لسنة 2005
جاء الدستور الانتقالي لسنة 2005 متأثراً بصورة مباشرة باتفاقية السلام الشامل، وأرسى عدداً من المبادئ المهمة التي شكلت تطوراً نوعياً في مفهوم الحكم اللامركزي بالسودان.
فقد أكد الدستور أن السودان دولة ديمقراطية لا مركزية، وحدد أربعة مستويات للحكم هي: المستوى القومي، ومستوى جنوب السودان، والمستوى الولائي، والمستوى المحلي.
كما وضع مجموعة من المبادئ المنظمة للعلاقة بين هذه المستويات، تقوم على التعاون والتنسيق والاحترام المتبادل وعدم التغول على الاختصاصات الدستورية لأي مستوى من مستويات الحكم.
واهتم الدستور كذلك بتحديد الأسس التي ينبغي مراعاتها عند توزيع السلطات والصلاحيات، ومن أبرزها تعزيز الوحدة الوطنية، والاعتراف بالتنوع، وحماية حقوق الإنسان، وتوسيع المشاركة الشعبية، وترسيخ قيم الحكم الرشيد وسيادة القانون والشفافية.
الإيجابيات التي حققتها التجربة
أفرزت التجربة الفدرالية في السودان عدداً من النتائج الإيجابية التي لا يمكن إنكارها، من بينها توسيع دائرة المشاركة السياسية، وإتاحة فرص أكبر للتنمية الريفية والمحلية، والمساهمة في بروز قيادات جديدة من مختلف الأقاليم، فضلاً عن تعزيز فرص تمثيل المجتمعات المحلية في مؤسسات الحكم.
كما أتاح النظام اللامركزي مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وخلق مساحات أوسع أمام المجتمعات للمساهمة في إدارة شؤونها المحلية.
التحديات والإشكالات
رغم تلك الإيجابيات، كشفت التجربة العملية عن عدد من أوجه القصور البنيوي والمؤسسي التي حدّت من فعالية النظام الفدرالي.
ومن أبرز هذه التحديات غياب التوازن الحقيقي بين المستوى الاتحادي والمستوى الولائي، حيث استمرت الأجهزة المركزية في التوسع وممارسة اختصاصات يفترض أن تكون من صلاحيات الولايات.
كما ظهرت إشكالات متعلقة بتوزيع السلطات المشتركة، خاصة في مجالات الأراضي والموارد الطبيعية والغابات والاستثمار، نتيجة غياب المعايير الواضحة التي تفصل بين الاختصاصات القومية والولائية، الأمر الذي أدى إلى نشوء نزاعات متكررة بين مستويات الحكم المختلفة.
ومن نقاط الضعف الجوهرية كذلك عدم وجود آلية دستورية مستقلة تتولى التنسيق بين مستويات الحكم المختلفة، إضافة إلى محدودية الموارد المخصصة للحكم المحلي رغم كونه المستوى الأقرب إلى المواطنين والأكثر ارتباطاً بتقديم الخدمات الأساسية والتنمية المحلية.
تساؤلات حول مستقبل البناء الفدرالي
تثير التجربة السودانية عدداً من الأسئلة الجوهرية التي تستوجب البحث والنقاش، وفي مقدمتها: ما هي الصيغة المثلى للعلاقة بين الأقاليم والولايات؟ وهل يحتاج السودان إلى الإبقاء على الهيكل الحالي أم الانتقال إلى نموذج جديد أكثر كفاءة وفاعلية؟
كما يظل السؤال الأهم متعلقاً بكيفية بناء نظام عادل لتوزيع الموارد والثروة بين مستويات الحكم المختلفة، بما يضمن تحقيق التنمية المتوازنة وتقليص الفوارق التاريخية بين الأقاليم.
إن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب مراجعة شاملة للتجربة السابقة، والاستفادة من الدروس المستخلصة منها، وصولاً إلى نموذج فدرالي أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات السودانيين في الحكم الرشيد والتنمية المتوازنة والعدالة السياسية والاجتماعية




