إتاوات الطرق في السودان: كيف تحولت شاحنات الغذاء والوقود إلى خزائن متنقلة لاقتصاد الحرب؟
الشبكة الإعلامية المدنية - MCN

الشبكة الإعلامية المدنية – MCN
توطئة
في السودان لم تعد الطرق مجرد مسارات لعبور الشاحنات والبضائع والمسافرين، بل تحولت في كثير من المناطق إلى ممرات مكلفة تحكمها نقاط تفتيش متعددة، ورسوم متكررة، وإتاوات غير معلنة، وسلطات متداخلة يصعب على السائق أو التاجر أو المواطن العادي معرفة حدودها القانونية.
فعلى امتداد الطرق القومية والفرعية من بورتسودان وسواكن وكسلا والقضارف، مروراً بالولايات الشمالية ونهر النيل، وصولاً إلى كردفان ودارفور، تتكرر الشكاوى ذاتها: شاحنات توقف أكثر من مرة، حاويات مختومة يعاد فتحها، رسوم تفرض دون إيصالات رسمية، ومبالغ تدفع تحت مسميات مختلفة؛ مرة باعتبارها “رسوم عبور”، ومرة “تسوية”، ومرة “مصاريف شارع”، ومرة أخرى تحت لافتة الأمن أو التفتيش أو الحماية.
هذا التقرير يتتبع كيف أصبحت بعض الطرق في السودان جزءاً من اقتصاد موازي للحرب، وكيف تتحول كل نقطة تحصيل غير قانونية إلى عبء إضافي على أسعار الغذاء والوقود والدواء، وكيف يدفع المواطن في النهاية ثمن هذه الجبايات من قوته اليومي.
مقدمة
منذ اندلاع الحرب في السودان تراجعت سلطة الدولة في مناطق واسعة وتعددت مراكز القرار، وتداخلت السلطات الرسمية مع سلطات الأمر الواقع والمجموعات المسلحة والارتكازات الأمنية والمحلية، وفي هذا الفراغ تمددت ظاهرة التحصيل غير القانوني على الطرق حتى أصبحت أحد أكثر أوجه الأزمة الاقتصادية والأمنية حضوراً في حياة الناس اليومية.
لا تبدو الجبايات المفروضة على الشاحنات في ظاهرها سوى مبالغ يدفعها السائقون للمرور من نقطة إلى أخرى. لكنها في حقيقتها سلسلة متراكمة من الكلف التي تنتقل من الطريق إلى السوق ومن التاجر إلى المستهلك ومن سائق الشاحنة إلى الأسرة التي تبحث عن الخبز والدواء والوقود. فكل مبلغ يدفع عند نقطة تفتيش وكل تأخير يفرض على شاحنة بضائع وكل حاوية يعاد فتحها بعد ختمها في المنفذ الجمركي، يضيف تكلفة جديدة إلى السلعة، وحين تصل هذه السلعة إلى السوق لا تظهر الجباية باسمها الحقيقي، بل تظهر في شكل ارتفاع في أسعار السلع وزيادة في كلفة الوقود وندرة في الدواء، وتراجع في قدرة المواطنين على البقاء.
الطريق كآلة جباية
تكشف متابعات هذا التقرير استناداً إلى شهادات سائقين وتجار ووقائع ميدانية متقاطعة، أن التحصيل غير القانوني على الطرق لم يعد مجرد تجاوزات فردية أو ممارسات معزولة، بل تحول إلى نمط متكرر على عدد من الطرق القومية والولائية، حيث تواجه الشاحنات نقاط عبور وارتكازات متعددة تفرض رسوماً متفاوتة خارج الأطر الرسمية ومن دون مستندات قانونية واضحة أو إيصالات مالية معتمدة.
وفي إحدى الحالات أفاد سائق شاحنة رمز إلى اسمه بـ“م. ع. ي”، كان في طريقه من الولاية الشمالية إلى ولاية القضارف، بأنه فوجئ بفرض رسم جديد بلغت قيمته 900 ألف جنيه سوداني قيل له إنه “رسوم عبور مركبة”، من دون أن تبرز الجهة المحصلة أي منشور رسمي يثبت قانونية الرسم أو الجهة التي أقرته، وأضاف أن عدداً من السائقين اعترضوا على قيمة المبلغ وطريقة فرضه غير أن الرد العملي من نقطة التحصيل كان تعطيلهم ومنع شاحناتهم من العبور إلى حين دفع الرسوم المطلوبة أو الدخول في ما يسميه بعض العاملين في هذه النقاط “تسوية”، وتعرف بين السائقين بعبارة “سهل طريقك”، وتشير شهادات السائقين إلى أن رفض الدفع لا يعني مجرد تأخير عابر في الرحلة، بل قد يقود إلى مصادرة أوراق الشاحنة أو احتجازها لساعات طويلة أو فرض مبالغ أكبر لاحقاً، مستغلين ضغط الوقت وخشية السائقين من تلف البضائع أو فوات مواعيد التسليم أو تعرضهم لمزيد من التعقيدات في نقاط لاحقة، وفي مثل هذه البيئة لا يعود الطريق مجرد مسار لنقل البضائع، بل يتحول إلى مساحة ابتزاز مفتوحة؛ لا يحتاج القائمون عليها إلى قرار مكتوب بقدر حاجتهم إلى سلطة ميدانية وقدرة على التعطيل وميزان قوة يجعل السائق أمام خيارين قاسيين هما “الدفع أو البقاء عالقاً على الطريق”.
ثلاث طبقات من التحصيل
تكشف الشهادات والوقائع التي تتبعها التقرير أن ما يجري على الطرق لا يندرج كله في خانة واحدة، بل يتوزع على ثلاث طبقات رئيسية من التحصيل تتداخل في ما بينها أحياناً إلى حد يصعب معه على السائقين والتجار التمييز بين الرسم القانوني والتحصيل الإداري الملتبس والابتزاز المباشر.
الطبقة الأولى هي التحصيل الرسمي، وهو ما يفترض أن يتم عبر أورنيك 15 أو عبر أنظمة التحصيل الإلكتروني أو المصرفي المعتمدة، وأن يذهب إلى الخزينة العامة وفق قوانين ولوائح واضحة وبمقابل خدمة محددة ومعلومة.
أما الطبقة الثانية، فتتمثل في تحصيل تفرضه جهات محلية أو ولائية أو مكاتب حكومية، لكنه يجري خارج النظام الرسمي أو من دون أورنيك 15، ورغم أن هذا النوع من التحصيل قد يتم داخل مكاتب أو بواسطة موظفين، فإنه يظل محل شبهة قانونية متى ما غاب عنه السند التشريعي الواضح أو لم يكن مرتبطاً بخدمة فعلية أو لم يخضع لتوريد مالي شفاف يمكن مراجعته.
أما الطبقة الثالثة، فهي الأخطر وتتمثل في التحصيل العسكري أو القسري، أي المبالغ التي تفرض عند نقاط التفتيش والارتكازات التي تديرها جهات عسكرية أو أمنية أو مجموعات مسلحة متعددة، وبحسب إفادات سائقين لا يقتصر الأمر أحياناً على جهة واحدة، بل قد يجد السائق نفسه أمام أكثر من طرف في النقطة أو المسار ذاته “عناصر من الجيش أو الاستخبارات أو جهاز الأمن أو مجموعات مسلحة محلية ولكل جهة موقعها الخاص؛ أحياناً مكتب صغير أو “مظلة” أو “راكوبة”، أو حتى نقطة تحت شجرة، يذهب إليها السائق أو التاجر للدفع قبل السماح له بمواصلة الطريق.
وفي بعض الحالات تظهر إلى جانب هذه الجهات مجموعات من المدنيين المسلحين ممن يعرفون محلياً بالمستنفرين أو عناصر المقاومة الشعبية يشاركون في التفتيش أو التحصيل أو فرض رسوم عبور غير واضحة السند القانوني، وهكذا لا يدفع السائق رسماً واحداً، بل قد يضطر إلى الدفع لكل طرف على حدة تحت ضغط السلاح أو الخوف من تعطيل الشاحنة أو مصادرة الأوراق أو تلف البضاعة، وغالباً ما تغطى هذه المدفوعات بعبارات متداولة بين السائقين مثل “مصاريف شارع” أو “خارج نفسك” أو “سهل طريقك”، وهي عبارات تكشف كيف تحولت الرشوة من ممارسة مستترة إلى لغة يومية مفهومة على الطرق، وكيف صار العبور في بعض المسارات مشروطاً بالقدرة على الدفع لا بقانونية الرحلة أو سلامة المستندات.
وبحسب شهادات سائقين، فإن بعض الرحلات تمر عبر عشرات نقاط التفتيش والعبور، حيث تتفاوت المبالغ المفروضة من نقطة إلى أخرى بين مبالغ محدودة نسبياً وأخرى باهظة. غير أن خطورة هذه المدفوعات لا تكمن في قيمة كل مبلغ منفرداً، بل في تراكمها على امتداد الطريق حتى تتحول في بعض الحالات إلى تكلفة ثقيلة قد تتجاوز مليون جنيه سوداني للرحلة الواحدة قبل أن تصل الشاحنة إلى وجهتها النهائية.
الحاويات المختومة: حين لا يحمي الختم البضاعة
من أبرز الوقائع التي تكشف حجم الأزمة شكاوى التجار وسائقي الشاحنات من إعادة فتح الحاويات المختومة بالشمع الأحمر، رغم أنها تكون قد خضعت للتفتيش في المنافذ الجمركية وسددت الرسوم والاشتراطات المطلوبة قبل مغادرتها، ويفترض أن يمثل الختم الرسمي ضماناً بعدم إعادة فتح الحاوية أو إخضاعها لإجراءات إضافية إلا وفق مسوغ قانوني واضح ومحدد. غير أن شهادات تجار وسائقين تشير إلى أن بعض الحاويات يعاد توقيفها أو التلويح بفتحها في نقاط لاحقة تحت ذرائع أمنية أو إدارية بما يفتح الباب أمام تأخير البضائع وفرض رسوم جديدة وربما تلف بعض السلع أو فقدان جزء منها.
ويقول السائق “ع. ح” إن الهدف في كثير من الأحيان لا يكون التفتيش بحد ذاته، بل دفع السائق إلى السداد، ويوضح أن أفراد بعض نقاط التفتيش لا يطلبون المال مباشرة وإنما يفرضون قيوداً وإجراءات مطولة و“جرجرة” متعمدة تجعل السائق في النهاية يختار الدفع مقابل السماح له بالمرور، ويضيف أنه في بعض الحالات إذا رفض السائق الدفع تظل الشاحنة معطلة لساعات طويلة قبل أن يسمح لها بالعبور لاحقاً من دون فتح الحاوية أصلاً، وهو ما يعزز الشكوك بأن التعطيل كان وسيلة ضغط لا إجراءً أمنياً ضرورياً.
هذا النوع من الممارسات لا يهدد التاجر وحده، بل يضرب الثقة في نظام التخليص والجمارك والنقل بأكمله. فإذا كان التاجر يدفع في الميناء ثم يدفع في الطريق ثم يتعرض للتفتيش المتكرر أو التهديد به بعد الختم، فإن كلفة المخاطرة تصبح جزءاً من سعر السلعة، ومع تراكم هذه الكلفة يصبح استيراد السلع أو نقلها بين الولايات مغامرة مالية مفتوحة على الخسارة. فقد تحدث بعض التجار وفق الشكاوى عن اضطرارهم إلى تقليص نشاطهم أو التوقف عن العمل أو التفكير في نقل أعمالهم خارج البلاد، في وقت تحتاج فيه الأسواق السودانية إلى انسياب التجارة لا إلى مزيد من العوائق التي تضاعف الندرة والغلاء.
دارفور وكردفان: البوابات كسلطة أمر واقع
تأخذ الأزمة شكلاً أكثر قسوة في دارفور وكردفان حيث لا تقتصر الجبايات على الرسوم المالية وحدها، بل تتداخل مع الخوف والتهديد والنهب وانعدام الأمن في طرق تحولت إلى مساحات نفوذ تتقاسمها جهات مسلحة ومجموعات محلية وسلطات أمر واقع.
وتشير الشهادات التي تتبعها التقرير إلى انتشار عشرات نقاط التفتيش وبوابات التحصيل على الطرق التي تربط ولايات دارفور وكردفان، بما في ذلك طرق الأبيض ـ الضعين ـ الفاشر، وطرق نيالا ـ كأس ـ زالنجي ـ الجنينة، ومسارات أخرى تربط مناطق الإنتاج بأسواق التصدير والنقل.
في بعض هذه الطرق تفرض جهات مسلحة رسوماً قسرية على شاحنات النقل التجاري وسيارات الركاب، وبحسب إفادات سائقين تتراوح بعض الرسوم بين 300 ألف و500 ألف جنيه كحد أدنى للمركبة في بعض المسارات، بينما تتكاثر البوابات إلى حد لا تتجاوز فيه المسافة بين بوابة وأخرى في بعض المواقع بضع مئات من الأمتار، وفي أجزاء من كردفان يقول سائقون إنهم يتوقفون عند بوابة بينما يستطيعون رؤية البوابة التالية أمامهم بالعين المجردة وهم يعرفون مسبقاً أنهم سيخضعون للإجراء ذاته “التوقف، التفتيش، والدفع”.
هذا التكدس في نقاط التحصيل يجعل الرحلة سلسلة متواصلة من الابتزاز والانتظار. فالسائق لا يتعامل مع حاجز واحد أو رسم واحد، بل مع مسار كامل من المدفوعات المتكررة بعضها تحت لافتات أمنية وبعضها باسم رسوم عبور وبعضها الآخر تفرضه مجموعات محلية أو مسلحة لا يعرف السائق سندها القانوني أو الجهة التي تورد إليها الأموال.
وفي دارفور تحدث سائقون عن طرق يمرون فيها عبر أكثر من عشر بوابات في الرحلة الواحدة، بعضها يتبع جهات مصدقاً عليها وبعضها الآخر تفرضه عناصر مسلحة أو مجموعات محلية. كما تحدث آخرون عن بوابات تحمل أسماء قادة قتلوا في المعارك وعن رسوم غير موحدة تختلف قيمتها من نقطة إلى أخرى ومن مسار إلى آخر.
هنا لا يصبح الطريق مكلفاً فحسب، بل خطراً أيضاً. فالسائق لا يدفع فقط من أجل المرور، بل يدفع أحياناً لتجنب الضرب أو الاحتجاز أو مصادرة الشاحنة أو تعريض الركاب والبضائع للخطر، وبهذا المعنى تتحول البوابة من نقطة تفتيش إلى سلطة أمر واقع، ومن إجراء عبور إلى أداة تحكم في حركة الناس والسلع والاقتصاد المحلي.
شاحنات الصادر: حين يأكل الطريق ربح المنتج
تظهر خطورة الجبايات بصورة أوضح في قطاع الصادر خصوصاً في أسواق المحاصيل بكردفان ودارفور، حيث تواجه المنتجات التي يفترض أن تمثل مورداً مهماً للاقتصاد السوداني كلفة نقل باهظة لا تصنعها المسافة وحدها، بل تصنعها الإتاوات وانعدام الأمن وتعدد نقاط التحصيل، وسيطرة جهات مسلحة على بعض المسارات.
وبحسب إفادات تجار صادر، فإن شاحنات محملة بالمحاصيل قادمة من مناطق إنتاج في دارفور وكردفان ومتجهة إلى أسواق داخلية مثل الأبيض أو إلى مسارات تصدير نحو جنوب السودان، تضطر إلى دفع رسوم غير قانونية بمبالغ كبيرة على الطريق إلى جانب الرسوم الرسمية التي تفرضها السلطات، وفي إحدى الإفادات قال التاجر “م. م. ع” إن شحنة قادمة من الضعين بولاية شرق دارفور في طريقها إلى جنوب السودان اضطرت إلى سداد مبالغ كبيرة في نقاط عبور غير قانونية الأمر الذي رفع كلفة النقل وأثر مباشرة على هامش الربح.
تكشف هذه الإفادات كيف ينفصل سعر المحصول في منطقة الإنتاج عن سعره في السوق النهائي. فطن الفول السوداني المقشور على سبيل المثال قد يكون بسعر معقول في منطقة الإنتاج لكنه يصل إلى أسواق أخرى بسعر مضاعف بعد إضافة كلفة الترحيل والجبايات والمخاطر والتأخير، وهنا لا يخسر التاجر وحده بل يخسر المزارع الذي لا يجد سوقاً عادلة لمحصوله ويخسر المستهلك الذي يشتري بسعر مرتفع ويخسر الاقتصاد الوطني الذي تتراجع قدرته على المنافسة، وقد دفعت هذه البيئة عدداً من شركات الصادر إلى البحث عن أسواق بديلة في دول أخرى، حيث الإجراءات أسهل والتكاليف أقل والمخاطر أدنى مقارنة بالسودان، وهذه نتيجة بالغة الخطورة لأنها تعني أن الجبايات لا ترفع الأسعار فقط، بل تطرد النشاط الاقتصادي من البلاد وتحرم السودان من عائدات كان يمكن أن تدعم الإنتاج والتجارة والاستقرار.
نقاط الجبايات وتهديد النسيج الاجتماعي
لا تقف آثار نقاط الجباية عند الجانب الاقتصادي وحده. ففي مناطق بغرب كردفان يبرز بعد اجتماعي لا يقل خطورة، إذ تشير شهادات سائقين وإفادات محلية إلى أن انتشار نقاط الجباية على طرق تمر بها شاحنات ومركبات متجهة إلى مناطق متجاورة خلق في أكثر من مرة، حالة من الغبن والتوتر بين المجتمعات المحلية.
وبحسب هذه الإفادات لم تعد بعض نقاط التحصيل تفهم باعتبارها رسوماً عابرة على الطريق، بل بوصفها أدوات نفوذ محلية حيث تسعى كل مجموعة قبلية أو محلية إلى إنشاء نقاطها الخاصة وفرض رسومها على العابرين، وهذا التحول يجعل الطريق الذي كان مساحة للتبادل والتواصل ساحة تنافس على الجباية والسيطرة.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن هذه الطرق ليست مجرد مسارات تجارية حديثة، بل امتداد لعلاقات تاريخية بين مجتمعات وقبائل وجيران ظلوا يتبادلون التجارة والمرور والمصالح منذ عهود طويلة، وعندما تتحول هذه الطرق إلى نقاط تحصيل بلا ضوابط قانونية فإن الضرر لا يقع على السائقين والتجار وحدهم، بل يمتد إلى المجتمعات التي تعتمد على هذه الشاحنات في نقل الغذاء والملح والوقود والسلع الأساسية، وفي ظل غياب الشرطة والجهات الأمنية الرسمية في بعض المناطق تحذر أصوات محلية من أن ترك هذه الظاهرة بلا معالجة قد يدفع كل مجموعة أو قبيلة إلى إنشاء نقاط تفتيش وجباية خاصة بها بما يفتح الباب أمام سباق خطير في فرض الرسوم وربما يقود إلى احتكاكات اجتماعية وأمنية لا تحمد عواقبها، وبهذا المعنى لا تهدد الجبايات اقتصاد الطريق فقط، بل تهدد أيضاً السلم الأهلي وتضع العلاقات الاجتماعية التاريخية بين المجتمعات المحلية أمام اختبار بالغ الحساسية.
الرواية الرسمية: لجان إزالة واعتراف ضمني باتساع الظاهرة
في المقابل تعكس التصريحات والقرارات الرسمية من أكثر من جهة مسيطرة على الأرض اعترافاً واضحاً باتساع ظاهرة التحصيل غير القانوني وخطورتها على حركة التجارة والطرق القومية والولائية. فقد اطلع رئيس الوزراء كامل إدريس على نتائج عمل لجنة منع التحصيل غير القانوني التي أعلنت إزالة عدد من نقاط الجبايات المخالفة واتخاذ إجراءات قانونية في مواجهة متجاوزين، إلى جانب تشكيل لجان فرعية في الولايات لمتابعة إنفاذ القرارات والحد من عودة هذه النقاط.
كما أعلن وزير العدل بصفته رئيس لجنة التحصيل غير القانوني إغلاق عشرات نقاط التحصيل المخالفة في الولايات الشرقية والشمالية، مع توصيات بتعميم التحصيل الإلكتروني في الوحدات الحكومية ووقف التجنيب ومراجعة التشريعات الولائية المتعلقة بالرسوم بما يضمن ألا تفرض أي مبالغ خارج القنوات الرسمية أو دون مقابل خدمة واضح.
وشملت التحركات الحكومية إزالة نقاط تحصيل في الولاية الشمالية ونهر النيل والجزيرة وعلى طرق تربط بين بورتسودان وكسلا والقضارف، إلى جانب طوافات ميدانية على نقاط التحصيل والميزان والموانئ والمعابر في محاولة لضبط الفوضى المالية والإدارية التي تمددت على الطرق خلال سنوات الحرب.
وفي مناطق أخرى خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع وحكومة تأسيس في دارفور وكردفان، تشير إفادات محلية وتصريحات منسوبة لسلطات الأمر الواقع إلى تنفيذ حملات لإغلاق عدد من نقاط التحصيل غير القانونية ومنع بعض البوابات العشوائية من فرض رسوم على التجار وسائقي الشاحنات أو مضايقة حركة البضائع والركاب، وتقول هذه الجهات إن الإجراءات تهدف إلى تنظيم المرور والحد من التجاوزات ومنع المجموعات غير المخولة من استغلال الطرق لفرض إتاوات باسم الأمن أو الحماية أو العبور. غير أن شهادات سائقين وتجار من تلك المناطق تشير إلى أن المشكلة لم تحسم بالكامل، إذ تعود بعض البوابات بعد إزالتها أو تظهر بصيغ وأسماء جديدة أو تتحول إلى نقاط أقل وضوحاً تديرها مجموعات محلية أو مسلحة، وهذا ما يجعل الفجوة قائمة بين القرارات المعلنة على الورق والواقع اليومي على الطرق، حيث يظل السائقون والتجار أمام شبكة متغيرة من الرسوم والبوابات والارتكازات.
وتكتسب هذه الإجراءات أهميتها من كونها تؤكد أن الظاهرة لم تعد مجرد شكاوى فردية من سائقين أو تجار، بل مشكلة أقرت بها جهات رسمية وسلطات أمر واقع على حد سواء، وبدأت التعامل معها باعتبارها خللاً يمس سلطة القانون وانسياب التجارة. غير أن هذه التحركات تطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة أي جهة مسيطرة على الأرض على الاستمرار في الرقابة والمتابعة، وما إذا كانت النقاط التي تزال لا تعود لاحقاً بأسماء جديدة أو تحت سلطات مختلفة أو عبر ترتيبات غير معلنة على الطرق ذاتها.
بين الرواية الرسمية وشهادات الطريق
تقول الرواية الرسمية الصادرة عن سلطات الأمر الواقع في بعض مناطق النزاع، إن هناك جهوداً لإزالة نقاط التحصيل غير القانوني وإن أي رسوم ينبغي أن تكون مرتبطة بخدمة واضحة وأن تتم عبر قنوات رسمية أو مصرفية لا عبر الدفع النقدي المباشر في نقاط التفتيش والارتكازات. لكن شهادات السائقين والتجار ترسم صورة أكثر تعقيداً. فالنقاط التي تزال في بعض المسارات تعود أحياناً بأسماء جديدة أو بصيغ أقل وضوحاً، والرسوم تتكرر من ولاية إلى أخرى ومن حاجز إلى آخر، والحاويات المختومة يعاد توقيفها أو التلويح بفتحها، فيما لا يزال التحصيل خارج أورنيك 15 حاضراً في بعض المواقع. أما عبارات مثل “تسوية” و“مصاريف شارع” و“سهل طريقك”، فلم تعد مجرد ألفاظ عابرة، بل أصبحت جزءاً من لغة العبور اليومية التي يعرفها السائقون جيداً.
هذا التناقض لا ينفي وجود جهود معلنة للحد من الظاهرة لكنه يكشف محدودية قدرة السلطات بمختلف أشكالها على فرض رقابة مستمرة على كامل شبكة الطرق. كما يبرز تعدد الجهات التي تمارس نفوذها ميدانياً وتداخل الرسمي وغير الرسمي، والقانوني وغير القانوني، في بيئة حرب تتوسع فيها مراكز القوة وتتراجع فيها المحاسبة. وبين قرار معلن بإزالة نقطة جباية وقدرة السائق فعلياً على المرور من دون دفع “تسوية”، تتسع المساحة التي يعمل داخلها اقتصاد الطريق الخفي؛ اقتصاد لا يظهر في الموازنات العامة لكنه يظهر بوضوح في أسعار السلع وتكاليف النقل وخسائر التجار ومعاناة المواطنين.
من يدفع الثمن في النهاية؟
ظاهرياً يدفع السائق أو صاحب الشاحنة، ولكن عملياً تنتقل الفاتورة كاملة إلى المواطن. فالسائق الذي يدفع عند كل نقطة يضيف ما دفعه إلى كلفة الترحيل، والتاجر الذي تتأخر حاويته أو يعاد توقيفها يحمّل خسارته على سعر السلعة، والمصدر الذي يواجه إتاوات باهظة يرفع سعر المحصول أو ينسحب من السوق، وفي نهاية هذه السلسلة لا تبقى الجباية مبلغاً عابراً على الطريق، بل تتحول إلى غلاء في الأسواق وندرة في السلع وتآكل في قدرة المواطنين على الشراء.
إذا كانت الشاحنة تحمل دقيقاً فإن الجباية تدخل في سعر الخبز، وإذا كانت تحمل وقوداً تنتقل الكلفة إلى المواصلات والمخابز والكهرباء، وإذا كانت تحمل دواء تصبح الجباية جزءاً من المسافة القاسية بين المريض والعلاج، ولهذا فإن الجبايات غير القانونية ليست مجرد فساد مالي أو مخالفة إدارية، بل اعتداء مباشر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمدنيين، لأنها ترفع كلفة الحياة في بلد يعيش أصلاً تحت ضغط الحرب والنزوح والجوع وانهيار الخدمات.
اقتصاد حرب بلا موازنة
لا تعمل الجبايات المفروضة على الطرق بمعزل عن اقتصاد الحرب، بل تمثل أحد مداخله اليومية الأقل ظهوراً والأكثر تأثيراً. ففي النزاعات الطويلة لا تعود السيطرة على الطريق مجرد مسألة أمنية أو عسكرية، بل تتحول إلى مورد مالي قائم بذاته؛ فمن يسيطر على الطريق يملك القدرة على التحكم في حركة الغذاء والوقود والدواء والبضائع والناس، وتمنح هذه السيطرة الجهات المسلحة أو المحلية أو شبكات النفوذ دخلاً يومياً لا يمر عبر موازنة عامة ولا يخضع لرقابة مؤسسية ولا يمكن تتبعه عبر حسابات رسمية، وهكذا يصبح الطريق خزينة مفتوحة لكل شاحنة فرصة للتحصيل وكل حاجز باباً للدخل وكل تأخير وسيلة ضغط وكل تصريح عبور مدخلاً جديداً لفرض المال.
وتكمن الخطورة في أن هذه الجبايات لا تكتفي باستنزاف السائقين والتجار، بل تسهم في إدامة اقتصاد الحرب بطريقتين متوازيتين؛ فهي من جهة توفر مورداً مباشراً لبعض الجهات أو الأفراد أو الشبكات المسيطرة على الطرق، ومن جهة أخرى ترفع كلفة الحياة وتدفع المجتمعات إلى الاعتماد على التهريب والوساطة والحماية غير الرسمية، وبذلك لا تصبح الجباية مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل تتحول إلى إحدى آليات استمرارها؛ اقتصاد غير معلن، بلا موازنة ولا شفافية، يمول نفسه من حركة الشاحنات ويدفع ثمنه المدنيون من غذائهم ووقودهم ودوائهم.
البعد القانوني
من الناحية القانونية لا يجوز فرض أي رسم أو تحصيل مالي عام إلا استناداً إلى نص قانوني واضح وبواسطة جهة مختصة ومقابل خدمة محددة ومعلومة، على أن تورد الأموال إلى الخزينة العامة عبر إيصالات رسمية أو نظام مالي معتمد يتيح المراجعة والمساءلة. أما الرسوم التي تفرض من دون منشور رسمي أو خارج النظام المالي المعتمد أو من غير إيصال أو تحت التهديد أو عبر جهات لا تملك تفويضاً قانونياً واضحاً، فإنها تخرج من نطاق التحصيل المشروع وتدخل في دائرة الابتزاز والكسب غير المشروع، حتى وإن اتخذت غطاءً إدارياً أو أمنياً أو محلياً.
وتزداد خطورة هذه الممارسات حين تفرض على شاحنات الغذاء والدواء والوقود في زمن الحرب، لأنها لا تعطل حركة التجارة فحسب، بل تعرقل عملياً وصول السلع الأساسية إلى المدنيين وترفع الأسعار وتعمق معاناة الأسر التي تواجه أصلاً النزوح والجوع وانهيار الخدمات. لذلك لا يمكن التعامل مع الجبايات غير القانونية باعتبارها مجرد مخالفات مرورية أو نزاعات محدودة بين التجار ونقاط التفتيش، بل بوصفها قضية قانونية وحقوقية واقتصادية وإنسانية تمس حق المدنيين في الوصول إلى الغذاء والدواء ووسائل العيش، وتكشف في الوقت ذاته هشاشة سلطة القانون على الطرق في ظل الحرب.
ما الذي ينبغي فعله؟
تحتاج معالجة ظاهرة الجبايات غير القانونية إلى أكثر من إزالة مؤقتة لبعض نقاط التحصيل أو إصدار قرارات موسمية سرعان ما تتجاوزها الوقائع على الأرض. فالمطلوب هو بناء نظام شفاف وموحد للتحصيل يمنع تعدد الرسوم وتكرارها ويضمن أن أي مبلغ يدفع على الطرق يستند إلى قانون واضح وخدمة محددة وإيصال رسمي قابل للمراجعة، وينبغي في هذا السياق، نشر قائمة معلنة ومحدثة بالرسوم القانونية المعتمدة على الطرق القومية والولائية، وتحديد الجهات المخولة بالتحصيل على وجه الدقة، وإلزامها بالدفع الإلكتروني أو المصرفي، مع حظر أي تحصيل نقدي ميداني خارج النظام الرسمي أياً كانت الجهة التي تمارسه أو الذريعة التي تستند إليها.
كما يتطلب الأمر إنشاء آلية شكاوى آمنة وفعالة للسائقين والتجار، تتيح الإبلاغ عن نقاط الابتزاز أو التحصيل غير القانوني دون خوف من الانتقام، على أن تحال البلاغات إلى جهات تحقيق مستقلة وتعلن نتائجها وتتم محاسبة المتورطين، سواء كانوا موظفين حكوميين أو أفراداً نظاميين أو عناصر مسلحة أو مجموعات محلية.
وفي مناطق النزاع لا بد من ترتيبات إنسانية وتجارية واضحة تضمن مرور الغذاء والدواء والوقود والسلع الأساسية دون ابتزاز أو تعطيل، لأن ترك هذه المسارات لسلطات الأمر الواقع أو للشبكات المحلية غير المنضبطة يعني عملياً أن المواطن سيواصل دفع ضريبة حرب لا ذنب له فيها من خبزه ودوائه ووقوده وأمنه اليومي.
خاتمة
في السودان اليوم لم تعد بعض الطرق مجرد خطوط نقل تربط المدن والولايات، بل تحولت إلى دفاتر جباية مفتوحة وساحات نفوذ تتداخل فيها السلطة بالسلاح والقانون بالابتزاز والحاجة بالاستغلال. كل نقطة تحصيل غير قانونية ليست حاجزاً عابراً على الطريق، بل إنها يد ممدودة إلى جيب المواطن، وكل مبلغ يدفع تحت الضغط لا يتوقف عند السائق أو التاجر، بل يعود في النهاية على شكل غلاء في الأسواق وندرة في الدواء وارتفاع في تكلفة الوقود وتراجع في قدرة الناس على الصمود.
لذلك فإن التحقيق في إتاوات الطرق ليس تحقيقاً في رسوم صغيرة أو تجاوزات جانبية، بل في أحد الشرايين المالية الخفية لاقتصاد الحرب، وفي الطريقة التي تتحول بها حركة الشاحنات إلى مورد لمن يملكون القوة، بينما يدفع المدنيون الثمن من خبزهم ودوائهم ووقودهم وأمنهم اليومي، وهنا يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله “من يحمي الطريق حين يصبح الطريق نفسه جزءاً من الحرب؟”.
الشبكة الإعلامية المدنية – MCN




