
مؤيد الأمين
ليس أخطر ما فعله الإسلامويون في السودان أنهم مارسوا الفساد أو ارتكبوا الانتهاكات، بل أنهم عملوا، على مدى عقود، على إعادة تعريفها أخلاقياً، حتى تبدو في نظر أتباعهم أعمالاً نبيلة تستحق الإشادة. فكل جريمة تجد مبرراً، وكل انتهاك يُمنح اسماً جميلاً، وكل كارثة تُسوَّق باعتبارها تضحية من أجل الوطن أو الدين.
لم يكن ذلك سلوكاً عابراً، بل نهجاً سياسياً متكاملاً يقوم على قلب المعايير. فعندما انفصل جنوب السودان، لم يقدّم الإسلامويون مراجعة حقيقية للسياسات التي قادت إلى تلك النتيجة، بل روّجوا لرواية تُحمّل الجنوبيين مسؤولية الانفصال، وصوّروا تقسيم البلاد وكأنه الحل لمشكلاتها. لكن النتيجة كانت مزيداً من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، واتساع رقعة الفساد وتآكل مؤسسات الدولة.
وخلال سنوات حكمهم، تبدلت المفاهيم؛ فأصبح الفساد يُجمَّل بالمبررات، والمحسوبية تُقدَّم باعتبارها استحقاقاً، واستغلال النفوذ يُسوَّق بوصفه كفاءة، بينما تُستدعى النصوص الدينية لتبرير ممارسات تتعارض مع قيم العدالة والأمانة والرحمة.
وامتد هذا النهج إلى التعامل مع الانتهاكات الجسيمة. فقد ارتبط تاريخ الحركة الإسلامية في السودان بقضايا أثارت إدانة واسعة، من بينها إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، وما أُعلن عنه من تعذيب المعلم أحمد الخير حتى وفاته، إضافة إلى مقتل أعداد من المتظاهرين خلال الاحتجاجات الشعبية، وهي وقائع ظلت موضع مطالبات متواصلة بالعدالة والمساءلة، بينما لم يتوقف بعض أنصار الحركة عن تبريرها أو التقليل من فداحتها.
واليوم يتكرر المشهد مع الحرب. فبدلاً من السعي إلى إيقاف نزيف الدم، يجري تقديمها بوصفها “حرب كرامة” أو “جهاداً”، ويُصوَّر قتل المدنيين وكأنه ثمن لا بد منه، بينما تُوزَّع تهم الخيانة والتعاون جزافاً على كل من يخالف خطاب الحرب، في محاولة لإسكات أي صوت يدعو إلى السلام أو المساءلة.
وفي السياق ذاته، تتصاعد خطابات تُحمّل غرب السودان مسؤولية أزمات البلاد، ويجري الترويج لأفكار تقسيمية تعيد إنتاج المنطق نفسه الذي سبق انفصال الجنوب: البحث عن شماعة جديدة بدلاً من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة، وتحويل الضحايا إلى متهمين.
كما أسهمت سياسات التمكين، في إضعاف الخدمة المدنية، وتدهور التعليم والصحة، وإفراغ مؤسسات الدولة من استقلاليتها، وربطها بالولاء السياسي أكثر من الكفاءة، الأمر الذي ترك آثاراً عميقة ما تزال البلاد تدفع ثمنها.
إن القضية ليست أخطاءً سياسية أو سوء تقدير، بل مشروع يقوم على تبرير الانتهاكات وتطبيعها، وإقناع المجتمع بأن الجريمة فضيلة، وأن القسوة بطولة، وأن الفساد ضرورة، وأن الحرب خلاص. وحين تُقلب القيم بهذه الصورة، يصبح إصلاح الدولة مستحيلاً ما لم تُستعد المعايير الأخلاقية والقانونية، وتتحقق مساءلة عادلة لكل من يثبت تورطه في الجرائم والانتهاكات أو التحريض عليها أو تبريرها، حتى لا تتحول المأساة إلى ثقافة، ولا الإفلات من العقاب إلى قاعدة دائمة.




