
نجوي بابو
منذ اندلاع الحرب في السودان، أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا ليس من يربح المعركة، بل من يخسر الوطن. فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيدًا من الدماء، ومزيدًا من النزوح، ومزيدًا من انهيار مؤسسات الدولة وتمزيق النسيج الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، حكومة الأمر الواقع في بورتسودان تتحمل مسؤولية سياسية كبيرة عن استمرار الصراع، بسبب تمسكها، بمنطق الحسم العسكري ( بل بس ) وإحاطة أي عملية تفاوضية بشروط مسبقة حالت دون الانتقال إلى مسار سياسي شامل.
شرعية السلطة لا تُقاس بقدرتها على مواصلة القتال، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان وصيانة حياته وكرامته. فالدولة، وفق نظرية العقد الاجتماعي، وجدت لإنهاء العنف لا لإدارته، ولإنتاج السلام لا لإدامة الحرب. وعندما يصبح استمرار القتال هو الأداة الرئيسية لإدارة الخلاف السياسي، فإن الدولة تبتعد عن وظيفتها الأساسية وتقترب من منطق الصراع المفتوح.
الإصرار على اشتراط ترتيبات عسكرية كاملة قبل بدء أي حوار سياسي أدى إلى إطالة أمد الحرب ( تجريد قوات تاسيس) . فالخبرة المقارنة في النزاعات المسلحة تشير إلى أن كثيرًا من اتفاقات السلام بدأت بوقف إطلاق النار وبناء الثقة، ثم انتقلت لاحقًا إلى معالجة القضايا العسكرية والأمنية والسياسية. أما جعل تنفيذ جميع المطالب العسكرية شرطًا سابقًا للحوار، فإنه يهدد بإغلاق باب التفاوض من أساسه.
استمرار الحرب ترافق مع تصاعد خطاب الانقسام الاجتماعي، وهو أمر بالغ الخطورة على مستقبل السودان. فإن الخطاب السياسي الذي يعمق الاستقطاب بين المكونات الاجتماعية أو يوظف الهويات المحلية في إدارة الصراع يحمل مخاطر جسيمة، لأنه قد يحول النزاع من مواجهة بين أطراف مسلحة إلى صراعات مجتمعية يصعب احتواؤها حتى بعد توقف العمليات العسكرية. ولذلك، فإن جميع القوى السياسية والعسكرية تتحمل مسؤولية تجنب أي خطاب أو ممارسة من شأنها تأجيج الانقسامات القبلية أو الجهوية.
القانون الدولي الإنساني يفرض على جميع أطراف النزاع، دون استثناء، واجب حماية المدنيين والتمييز بينهم وبين الأهداف العسكرية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار التي تلحق بالسكان. كما أن أي ادعاءات بارتكاب انتهاكات جسيمة تستوجب تحقيقات مستقلة ونزيهة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان موقعه أو انتماؤه.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى انتصار عسكري بقدر حاجته إلى انتصار سياسي وأخلاقي. فالحروب تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، لكن الثمن الذي يدفعه الشعب قبل الوصول إليها قد يكون باهظًا إلى درجة تهدد وجود الدولة نفسها. ولهذا، فإن الطريق إلى السلام يبدأ بالاعتراف بأن الحوار ليس هزيمة، وأن التسوية ليست استسلامًا، وأن حماية الوطن تقتضي تقديم مصلحة الشعب على حسابات القوة والنفوذ.
إن التاريخ لا يخلد الحكومات التي أطالت الحروب، وإنما يخلد القادة الذين امتلكوا الشجاعة لإيقافها. وإذا كان السودان يبحث عن مستقبل مختلف، فإن هذا المستقبل لن يُبنى بالسلاح وحده، بل بإرادة سياسية تضع حياة المواطنين ووحدة البلاد فوق كل اعتبار، وتفتح الباب أمام سلام عادل ومستدام يقوم على العدالة، وسيادة القانون، والمشاركة السياسية، والمصالحة الوطنية.




