رأي

اللجان المدنية السودانية: الفكرة والنشأة والتطور 

محمد غافل 

 

محمد غافل 

5- التحديات والدروس المستفادة 

١- مخاض التأسيس

عندما بدأت فكرة إنشاء اللجان المدنية السودانية لم تكن لدينا مقرات ولا موارد مالية ولا هياكل تنظيمية ولا حتى تجربة سابقة يمكن أن نستند إليها سوى تجربنتا في لجان المقاومة ولكن كان لدينا حلم وإيمان راسخ بأن العمل المدني المنظم يمكن أن يكون جزءًا من الحل في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، ولم يكن الطريق ممهدًا ولكنه كان مليئًا بالتحديات، وكان علينا قبل أن نبني المؤسسة أن نقنع الآخرين بأن هذه الفكرة تستحق أن ترى النور وأنها مشروع مؤسسي طويل الأمد، ورغم صعوبة البدايات فإن الإيمان بالفكرة وروح العمل الجماعي والدعم الذي وجدناه من عدد من المؤمنين بالمشروع منحنا القدرة على تجاوز المرحلة الأولى والانتقال من الفكرة إلى التنظيم الفعلي القائم على نظام أساسي وهياكل تنظيمية ورؤية واضحة.

٢- مقاومة الفكرة

مثلما لكل مشروع جديد من يؤمن به ومن يتحفظ عليه ومن يعارضه، فإن اللجان المدنية السودانية لم تسثنى من هذه القاعدة فوقد حظيت فكرة إنشاء اللجان المدنية السودانية منذ بدايتها بدعم من المجلس الاستشاري لقائد قوات الدعم السريع وكان للدكتور حذيفة أبو نوبة رئيس المجلس الاستشاري دور مهم في احتضان الفكرة وتشجيعها حتى أصبحت واقعًا، ولذلك نعتبره أحد أبرز الداعمين للمشروع خلال مرحلته التأسيسية.

لكن هذا الدعم لم يكن يعني أن جميع من كانوا في محيط التأسيس يتبنون الرؤية نفسها فمن خلال تجربتنا واجه المشروع مواقف متحفظة من بعض الأعضاء داخل المجلس الاستشاري ورأينا أن بعضهم لم يكن متحمسًا لقيام اللجان المدنية السودانية وهو ما انعكس في محاولات لإبطاء خطوات التأسيس ووضع العراقيل أمام المشروع وتقديم صورة سلبية عن مؤسسيه أمام الجهات الداعمة، ولم يكن خيارنا الدخول في صراعات شخصية وإنما مواصلة العمل والاعتماد على الإنجاز والمؤسسية لإثبات جدية المشروع، وقد علمتنا تلك المرحلة أن الأفكار الكبيرة لا تُختبر في أوقات التأييد وإنما في قدرتها على الصمود أمام المعارضة.

٣- تحديات بناء المؤسسة والتوسع التنظيمي

ومن أكبر الأخطاء التي ارتكبناها في المرحلة التأسيسية أننا استعجلنا التوسع التنظيمي قبل أن نضمن توحيد الفهم الكامل لرؤية اللجان المدنية السودانية ورسالتها وأهدافها

وبحكم الظروف الأمنية وصعوبة الحركة بين الولايات أوكلنا مهمة تكوين اللجان المدنية السودانية في بعض الولايات إلى عدد من الأشخاص كنا نعتقد أن ذلك سيسرع عملية الانتشار، لكننا اكتشفنا لاحقًا أن بعض من أوكلت إليهم هذه المهمة لم يكونوا قد استوعبوا بصورة كافية فلسفة اللجان المدنية السودانية ولا طبيعة المشروع الذي كنا نسعى إلى بنائه وقد أدى ذلك إلى ظهور تفاوت في أساليب العمل واختلاف في فهم الرسالة وقيام بعض الهياكل على اجتهادات لا تعكس بصورة كاملة الرؤية التي انطلقت منها اللجان، ومع مرور الوقت أدركنا أن التحدي الحقيقي ليس إنشاء الهياكل وإنما بناء القيادات المؤمنة بالفكرة والقادرة على تجسيدها في الواقع، ولذلك بدأنا عملية مراجعة وتصحيح شاملة شملت إعادة التواصل مع القيادات الولائية وتوضيح الرؤية والرسالة والعمل على توحيد المفاهيم وتعزيز ثقافة العمل المؤسسي، ورغم ما تحقق من تقدم فإن هذه القضية لم تُحسم بصورة كاملة حتى اليوم، فما زالت بعض آثار تلك المرحلة قائمة وما زلنا نعمل على معالجتها وتطوير أداء الهياكل وتأهيل القيادات حتى تصبح جميع مستويات التنظيم معبرة عن رؤية واحدة ورسالة واحدة.

واهم درس تعلمناه من هذه التجربة أن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسة وأن سرعة الانتشار لا تعني بالضرورة نجاح البناء التنظيمي.

٤- تحديات التمويل والاستدامة

مثلت محدودية الموارد المالية أحد أكبر التحديات التي واجهت اللجان المدنية السودانية منذ تأسيسها، فقد كانت لدينا أفكار كثيرة وبرامج طموحة ورغبة حقيقية في خدمة المجتمع لكن الإمكانات المالية لم تكن تتناسب مع حجم المسؤوليات التي كنا نطمح إلى القيام بها، وفي عدد من المحطات قدم الدكتور حذيفة أبو نوبة دعمًا للجان المدنية السودانية وساهم هذا الدعم في استمرار بعض الأنشطة وفي مساندة التنظيم خلال مراحل مختلفة من مسيرته،

غير أن احتياجات التنظيم كانت أكبر بكثير من الموارد المتاحة ولذلك لم يكن ذلك الدعم كافيًا لتغطية متطلبات التوسع التنظيمي أو تنفيذ جميع البرامج والأنشطة التي كانت اللجان تخطط لها، ولهذا اعتمدت اللجان المدنية السودانية بدرجة كبيرة على العمل الطوعي وعلى مساهمات أعضائها وعلى المبادرات الذاتية وهو ما مكنها من الاستمرار رغم ضعف الإمكانات، وقد أدركنا أن استدامة أي مؤسسة لا تقوم على الحماس وحده وإنما تحتاج إلى منظومة تمويل مؤسسية تقوم على الشفافية وتنويع مصادر الدعم بما يحافظ على استقلالية القرار التنظيمي ويمكن المؤسسة من أداء رسالتها بكفاءة.

٥- تجربة العمل المشترك

انطلاقًا من إيماننا بأن العمل الوطني لا يمكن أن ينجح في معزل عن الآخرين شاركت اللجان المدنية السودانية في 14 أغسطس 2024م في تأسيس تحالف القوى المدنية المتحدة (قمم) إلى جانب عدد من الأجسام المدنية ومنظمات المجتمع المدني،والأحزاب السياسية وحركات الكفاح المسلح وذلك بإشراف من المجلس الاستشاري لقائد قوات الدعم السريع، ورأينا في هذا التحالف خطوة مهمة نحو توحيد الجهود وتعزيز التنسيق بين القوى المدنية وبناء منصة للعمل المشترك، إلا أن التجربة كشفت لاحقًا من وجهة نظر اللجان المدنية السودانية عن ممارسات لم تتوافق مع الميثاق التأسيسي والنظام الأساسي من بينها استحداث هياكل تنظيمية غير منصوص عليها واتخاذ قرارات خارج الاختصاصات المحددة إلى جانب تحول في طبيعة عمل التحالف بما لا ينسجم مع الأهداف التي تأسس من أجلها، وفي ضوء ذلك أعلنت اللجان المدنية السودانية في 28 نوفمبر 2025م تجميد مشاركتها الفاعلة في التحالف مع تمسكها بالمبادئ التي قام عليها واحتفاظها بحقها في المطالبة بالعودة إلى النهج التأسيسي الذي تأسس عليه، وقد كانت هذه التجربة بما لها وما عليها محطة مهمة في مسيرة اللجان المدنية السودانية ورسخت لدينا قناعة بأن نجاح أي تحالف يبدأ باحترام وثائقه التأسيسية ومؤسساته وأن المؤسسية هي الضمان الحقيقي لاستمرار العمل المشترك.

٦- الدروس المستفادة

بعد سنوات من العمل أصبحنا على يقين بأن بناء المؤسسات هي مسيرة طويلة من التعلم والمراجعة والتصحيح، لقد تعلمنا أن وضوح الرؤية أهم من سرعة الانتشار وأن إعداد القيادات يسبق إنشاء الهياكل وأن احترام النظام الأساسي هو الضامن لوحدة اي مؤسسة واستقرارها، كما تعلمنا أن التمويل عنصر أساسي في نجاح أي مشروع لكنه لا يغني عن الإيمان بالفكرة ولا يمكن أن يكون بديلًا عن العمل الطوعي وروح التضحية، وأدركنا كذلك أن العمل المشترك قيمة وطنية كبيرة لكنه لا ينجح إلا عندما تقوم الشراكات على الوضوح والاحترام المتبادل والالتزام بالمؤسسية، وكذلك اعظم ما تعلمناه هو أن المؤسسات الحقيقية لا تدعي الكمال بل تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائها والعمل المستمر على معالجتها وتطوير أدائها.

إن المرحلة التأسيسية للجان المدنية السودانية كانت مدرسة حقيقية في بناء المؤسسات وسط ظروف استثنائية، فقد واجهنا تحديات كثيرة وارتكبنا أخطاء وتعلمنا منها وحققنا إنجازات نفتخر بها وما زلنا نواصل العمل لمعالجة ما تبقى من أوجه القصور، ولا ندّعي أن التجربة اكتملت فالمؤسسات الحية لا تتوقف عن التطور واننا لا نرى في النقد تهديدًا ولا نشخصن الأمور ونعتبر النقد فرصة للمراجعة والتحسين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!