العدالة الغائبة وحماية الحقيقة: قراءة صحفية تحليليّة في قضية الرائد فيصل محمد زانوق

العدالة الغائبة وحماية الحقيقة: قراءة صحفية تحليليّة في قضية الرائد فيصل محمد زانوق
د. أحمد التجاني ماهل
عندما تغدو الحقيقة جريمة في زمن الحرب
في خضم النزاعات الممتدة لكل بقاع البلد والحرب اللعينة والعبثية Senseless War التي تعصف بالوطن الحبيب السودان، تتشابك خيوط الروايات وتغيب الشفافية، لتقف الحقيقة كأولى الضحايا على مقصلة المصالح الضيقة والانتهاكات المستترة. غير أن تاريخ المؤسسات والأنظمة يُكتب دائماً بأصوات أفرادٍ رفضوا الرضوخ لمنطق الصمت القسري، وآثروا الصدع بالحق والشهادة بالعدل مهما كانت أوزان التضحيات أو خطورة التبعات.
يقف الإبن الرائد فيصل محمد سليمان (زانوق)، الضابط الفني (دفاع جوي) بالقوات المسلحة السودانية، في مقدمة هذه الأسماء التي واجهت العاصفة بصدرٍ عارٍ. لقد تضعضع السكون المخيم على واحدة من أكثر الملفات حساسية حينما تجرأ هذا الضابط الشجاع الشهم على وضع كفه على جرح غائر، متحدثاً بكل جسارة عن ملابسات واضحة وأدلة متعلقة باغتيال أعمامه وخواله وأخوانه من القيادات البارزة في الإدارة الأهلية لقبيلة المجانين؛ وهي الحادثة الشنيعة التي إغتالت فيها مسيرات الجيس السوداني قيادة قبيلة المجانين من الصف الأول (الناظر والعمد والشيوخ ونخبة من أعيان وشباب القبيلة) وهم عزل في طريقة لحل مشكلة وقعت مع عناصر من قوات الدعم السريع حسب الأعراف والمصالحة التقليدية المتبعة.
إن قضية الرائد زانوق تتجاوز حدود الواقعة الفردية أو التظلم الإداري لضابط في سلك الخدمة؛ إنها تتعدى ذلك لتصبح اختباراً مفصلياً ومعيارياً لمدى التزام المؤسسة العسكرية السودانية (إن صحة التسمية الآن) بأسس سيادة القانون، وقيم العدالة الناجزة، وحرمة حقوق الإنسان. كما أنها تضع التزام السلطات بتبني مبدأ الشفافية ومحاربة التجاوزات الداخلية تحت مجهر الرأي العام الوطني والدولي.
أبعاد الأزمة واستهداف السلم المجتمعي
لكي نفهم عمق المأساة التي كشف عنها الرائد فيصل زانوق، لابد من القراءة الفاحصة لدور الإدارة الأهلية في البنية الاجتماعية السودانية. لم تكن الإدارات الأهلية مجرد هياكل إدارية تقليدية، بل كانت ولا تزال الصمام المغذي لقلب الحكمة والأمان والسد المنيع الذي يحمي السلم الاجتماعي، ويفض النزاعات المحلية، ويحفظ التوازن بين المكونات الاجتماعية المختلفة في أوقات المحن والأزمات في مناطق التداخل القبلي (وإن لم يعجب ذلك بعض المجرمين الذين وضعوا هذه الإدارة الأهلية في خانة العداء السياسي كذباً وزيفاً).
إن استهداف واغتيال قيادات الإدارة الأهلية لقبيلة “المجانين” العريقة يمثل ضربة قاصمة للنسيج المجتمعي في المنطقة، ومحاولة لتغييب أصوات الحكمة والعقل التي تمسك بزمام المبادرة لرأب الصدع. وحينما تتجه أصابع الاتهام وشهادات الميدان نحو مجموعات متشددة داخل المؤسسة العسكرية، فإن التكليف الأخلاقي والقانوني يفرض على القيادة العامة التصدّي العاجل للتحقيق، والتقصي الشفاف، وليس التغطية على الجناة أو ملاحقة الشرفاء الذين كشفوا المستور.
إن موقف الرائد فيصل زانوق ينبع من فهم عميق لوظيفته القتالية والأخلاقية؛ فهو يعلم تماماً أن شرف القوات المسلحة ينبع من انحيازها للعدل وحمايتها للمواطنين، وأن التغاضي عن جُرم ارتكبته مجموعة داخلية يسيء للهيئة العسكرية بأسرها ويكسر أواصر الثقة بين المواطن والجيش.
الإجراءات التعسفية والانتهاكات الممنهجة
بدلاً من التعاطي مع شهادة الرائد زانوق كبلاغ قانوني يستوجب تشكيل لجان تقصي حقائق محايدة، واجهت الجهات المعنية هذه الشجاعة الأخلاقية بستار صلب من القرارات العقابية والإجراءات التعسفية الممنهجة، والتي شملت:
كبح المسار المهني وتأخير الترقية: تم حرمان الرائد فيصل محمد زانوق من حقه المستحق في الترقية إلى رتبة المقدم أسوة بجميع زملائه ودفعته العسكرية، في خطوة عقابية تهدف لإحباط معنوياته وتوجيه رسالة تحذيرية لكل من يفكر في النهج ذاته.
التقييد المكاني والحظر من السفر: تعرّض الضابط لمنع صارم وقسري من السفر لزيارة أهله ومنطقته، مع فرض قيد مكاني جبري يقيد حركته وحريته في التنقل، وهو ما يعد انتهاكاً صريحاً للحقوق الشخصية التي كفلها الدستور والمواثيق الدولية.
التهديد بالمحاكمات غير العادلة: الاستمرار في التلويح بمحاكمته عبر مجالس عسكرية تفتقر لأبسط معايير الاستقلالية والنزاهة، والتعامل مع كاشف الجريمة كأنه متهم فار من العدالة، بينما يظل الفاعلون الأصليون بعيدين عن أيدي طائلة القانون.
إن هذه السلسلة من العقوبات تخلق بيئة من الترهيب وتكرّس لثقافة الإفلات من العقاب، محولةً الجهاز الإداري والعسكري إلى أداة للانتقام الفردي بدلاً من حماية المصلحة العامة.
لماذا تعد المحاكمة العادلة ورفع القيود حجر الزاوية للعدالة؟
إن المطالبة بتمكين الرائد فيصل زانوق من كافة حقوقه ومحاكمته – إن كان ثمة اتهام – أمام القضاء العادل، ليس مجرد موقف متضامن مع شخصه، بل هو دفاع عن المبادئ الأساسية للعدالة وسيادة القانون:
إلغاء القرارات العقابية فوراً: يجب إلغاء كافة الإجراءات الاستثنائية فوراً، وعلى رأسها رفع القيد المكاني، وحظر السفر، ورد الاعتبار الوظيفي بمنحه كافة حقوقه الرتبوية وفي مقدمتها الترقية لرتبة مقدم.
ضمان عدلية وحيدة القضاء العسكري: كفالة حقه في الدفاع عن نفسه عبر كل السبل العدلية المتبعة، وتوفير كافة المستندات والتهم بشكل علني وشفاف.
فتح التحقيق في الجريمة الأصلية: إن البداية الحقيقية لتحقيق العدالة تكمن في فتح ملف اغتيال قيادات قبيلة المجانين بواسطة لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة تضم عناصر قضائية وحقوقية محلية ودولية.
حماية السلم الاجتماعي واستعادة الثقة: إن إنصاف الشرفاء ومحاسبة المعتدين يبعث برسالة طمأنة للقبائل والمكونات الاجتماعية بأن الدولة ومؤسساتها لا تحمي المجرمين ولا تتستر على الانتهاكات.
خاتمة ونداء للضمير الحقوقي والإنساني
تظل قضية الرائد فيصل محمد زانوق مرآة صادقة للواقع المعقد الذي يعيشه السودان؛ حيث يتشابك الواجب العسكري مع الصمغ الاجتماعي والعدالة الحقوقية. إن الصمت على ما يتعرض له هذا الضابط هو شرعنة غير مباشرة للانتهاكات وإضعاف لمنطق الدولة والقانون.
من هذا المنطلق، يوجه هذا المقال نداءً عاجلاً وناجِزاً إلى كافة المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية، والاتحادات القانونية، والقيادة العامة للقوات المسلحة، بضرورة:
التدخل الفوري لإلغاء القيد المكاني وحظر السفر المفروضين على الرائد زانوق.
تسوية ملفه الإداري والمهني وترقيته لرتبته المستحقة (مقدم).
كفالة محاكمة عادلة وعلنية ومستقلة تحترم حقوق المتهم والتنفيذ الكامل لأحكام القانون.
الشروع الفوري في تقديم المتورطين الحقيقيين في اغتيال قيادات الإدارة الأهلية للمحاكمة العادلة.
إن الانتصار لقضية الرائد فيصل زانوق هو انتصار لكرامة الإنسان السوداني، ودعم حقيقي لمستقبل دولة سيادة القانون والعدالة والمواطنة.



