أزمة البوصلة الفكرية والسياسية للحزب الشيوعي السوداني: بين شعارات المواطنة واستحقاقات التأسيس الثوري

أزمة البوصلة الفكرية والسياسية للحزب الشيوعي السوداني: بين شعارات المواطنة واستحقاقات التأسيس الثوري
بقلم: خالد كودي، بوسطن
في موقف الحزب الشيوعي من قضايا الدولة السودانية، والمؤتمر الدستوري، والعلمانية، والعدالة التاريخية
تكمن أزمة الحزب الشيوعي السوداني الراهنة في ما هو أعمق من الارتباك السياسي؛ إنها أزمة فكرية ومنهجية تعكس عجزه عن تجاوز التناقض بين مرجعيته الماركسية المعلنة وتموضعه التاريخي داخل البنية السياسية والثقافية للدولة السودانية القديمة. فقد ظل الحزب، رغم خطابه التقدمي، أسيراً لتصورات النخب الشمالية المسلمة عن الدولة الوطنية، مستدعياً شعارات ماركسية كلاسيكية دون إخضاعها للمراجعة النقدية في ضوء التحولات التاريخية والواقع السوداني المتغير.
والمفارقة أن هذا الموقف يتناقض حتى مع المنهج الماركسي نفسه؛ فالمادية التاريخية تقتضي قراءة الواقع في سياقه الزماني والمكاني، وتحليل علاقات القوة والهيمنة، لا الاكتفاء بترديد شعارات تجاوزتها التحولات الاجتماعية والسياسية. فما كان تقدمياً في سياق السودان القديم لم يعد بالضرورة كذلك اليوم، خصوصاً بعد ثورات الهامش التي تجاوزت، في أطروحاتها وممارساتها، سقف المطالب التقليدية، وقطعت أشواطاً نحو إقرار مبادئ المواطنة المتساوية والعلمانية واللامركزية، على الأقل في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
فالسودان اليوم لم يعد واقعاً سياسياً واحداً تحكمه مؤسسات الدولة القديمة وتصوراتها؛ بل أصبح فضاءً تتنازع فيه مشاريع مختلفة للدولة والهوية والمواطنة. ومن ثم، فإن الاعتراف بالتعدد الديني والثقافي والإثني لا قيمة له ما لم يُترجم إلى ضمانات دستورية ومؤسسية للمساواة والعدالة التاريخية وحقوق الشعوب في تقرير مستقبلها. أما الاكتفاء بالشعارات التقدمية مع التهرب من استحقاقاتها العملية، فليس سوى إعادة إنتاج لهيمنة السودان القديم بلغة جديدة.
أولاً: المؤتمر الدستوري أم إعادة التفاوض على الحقوق الأساسية؟
تتجلى هذه المعضلة بوضوح في الإحالة المستمرة من قوي المركز بيمينها ويسارها إلى ما يسمى بالمؤتمر الدستوري باعتباره الحل المؤجل لكل التناقضات السودانية.
والسؤال الجوهري ليس ما إذا كان السودان يحتاج إلى مؤتمر دستوري، وإنما: ما طبيعة القضايا التي سيُسمح بالتفاوض حولها؟ ومن يملك سلطة تقرير نتائج ذلك المؤتمر؟ وهل يجوز إخضاع الحقوق الأساسية للمواطنة لتصويت أغلبية قد تعيد إنتاج الامتيازات التاريخية نفسها؟
حين تطرح النخب السياسية علاقة الدين بالدولة، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وحقوق الشعوب، باعتبارها قضايا مفتوحة للمساومة، فإنها تفترض ضمناً أن المساواة بين المواطنين ليست حقاً أصيلاً، بل منحة سياسية يمكن إقرارها أو رفضها وفق موازين القوى.
وهذا منطق خطير، ويجب ان يرفض.
فالعلمانية، في السياق السوداني، ليست مجرد اختيار أيديولوجي بين متدينين وغير متدينين او ضد الدين وما اليه، وإنما ضمانة دستورية لعدم تمييز الدولة بين المواطنين بسبب معتقداتهم. واللامركزية ليست ترتيباً إدارياً يمكن للنخب المركزية أيا كانت منحه أو سحبه، بل استجابة تاريخية لمظالم التهميش والإقصاء والاستيلاء على الموارد والأراضي.
فهل يُعقل أن يُطلب من شعوب جبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها، التي ناضلت طويلاً دفاعاً عن وجودها وكرامتها، أن تتنازل عن مكتسباتها السياسية والإدارية والأمنية، وتسلّم مصيرها لمؤتمر دستوري بلا ضمانات، قد يعيد إنتاج الدولة التي اضطهدتها؟
وهل يجوز إخضاع المواطنة المتساوية والحقوق الأساسية للتصويت والمساومات في مؤتمر بين نخب لا تزال أسيرة أوهام التفوق والامتياز، بما قد يفتح الباب لإعادة فرض التشريعات التمييزية ومصادرة ما انتزعته تلك الشعوب بنضالها؟
وكما أكد جان جاك روسو أن الحرية حق أصيل لا يجوز للإنسان التنازل عنه، فإن الشعوب التي تذوقت الحرية ومارست حقوقها لا يمكن مطالبتها بالعودة إلى الخضوع والهيمنة.
فالمواطنة المتساوية، والحرية الدينية، وعلمانية الدولة بوصفها ضمانة لعدم التمييز، وحقوق الأرض، والعدالة التاريخية، والحكم الذاتي، وحق تقرير المصير، كلها حقوق ومبادئ أساسية لا يجوز إخضاعها للمساومات السياسية أو أهواء الأغلبية. وما انتزعته الشعوب بنضالها لا ينبغي أن يصبح موضوعاً للتفاوض على أصل استحقاقه، بل يجب تحصينه بضمانات دستورية ومؤسسية تحول دون مصادرته أو الالتفاف عليه.
ليس الاعتراض على الحوار الدستوري في حد ذاته، بل على تحويل الحقوق الأصيلة وغير القابلة للانتقاص إلى موضوع للتفاوض والمقايضة. فوظيفة الدساتير الديمقراطية هي ضمان الحقوق وتنظيم ممارستها، لا إخضاعها لأهواء الأغلبية أو توافقات النخب، خاصة أن النخب السودانية التي يُراد إيكال هذه المهمة إليها أثبتت، منذ الاستقلال، عجزها عن بناء دولة عادلة ومستقرة، وما آلت إليه البلاد اليوم ليس سوى الدليل الأبلغ على فشلها التاريخي.
ثانياً: الدرس الأمريكي — التحايل على القانون ومصادرة الحقوق الأساسية
تقدم تجربة الأمريكان الافارقة بعد إلغاء العبودية درساً تاريخياً بالغ الأهمية في خطورة ترك الحقوق الأساسية رهينة للمساومات السياسية بين أصحاب الامتيازات التاريخية.
فبعد إلغاء العبودية عام 1865، أقر الدستور الأمريكي المواطنة المتساوية عام 1868، وحظر التمييز العنصري في حق التصويت عام 1870. غير أن النخب البيضاء في الولايات الجنوبية استطاعت، عبر التحايل القانوني والتسويات السياسية، تفريغ هذه الحقوق من مضمونها. فقد استُخدمت ماسمي “القوانين السوداء” منذ عام 1865، ثم قوانين “جيم كرو”، لإعادة إنتاج التمييز العنصري. وفي عام 1896، أضفت المحكمة الدستورية العليا الشرعية على الفصل العنصري تحت شعار “منفصلون ولكن متساوون”، فتحولت المساواة الدستورية إلى غطاء قانوني لاستمرار الاضطهاد.
واستغرق تصحيح هذا الظلم قرابة قرن من النضال، وصولاً إلى حكم إلغاء الفصل العنصري في المدارس عام 1954، وقانون الحقوق المدنية عام 1964، وقانون حقوق التصويت عام 1965
والدرس الذي يجب أن يستوعبه السودان هو أن إقرار الحقوق في الشعارات لا يكفي ما دامت القوى المستفيدة من التمييز تملك القدرة على الالتفاف عليها، أو إعادة التفاوض بشأنها تحت شعارات التوافق الوطني والاستقرار. ولذلك يجب رفض أي مؤتمر دستوري أو تسوية سياسية تسمح لأصحاب الامتيازات التاريخية بالمقايضة على المواطنة المتساوية، والعلمانية، وحقوق الشعوب، والعدالة التاريخية، والجيش الوطني الجديد.
فحقوق الإنسان ليست امتيازات تمنحها النخب مدنية كانت او عسكرية ولا الأغلبية أو تسحبها، ولا يجوز أن تتحول إلى أوراق مساومة بين النخب عبر احزابهم او منظماتهم المدنية او المؤسسة العسكرية. وما يجب أن يناقشه السودانيون هو كيفية ضمان هذه الحقوق وحمايتها دستورياً ومؤسسياً، لا ما إذا كانت الشعوب السودانية تستحقها أصلاً، وليكن هذا مفهوما!!
ثالثاً: كاودا والدولة المدنية — عندما يُطلب من الضحايا التنازل عن ضمانات حقوقهم
في هذا السياق يمكن فهم المأزق الذي واجه خطاب الحزب الشيوعي في علاقته بالحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال.
فوفق القراءة النقدية لزيارة قيادة الحزب الشيوعي إلى كاودا، ظل مفهوم “الدولة المدنية” الذي حاولت ان تمرره القيادة عاجزاً عن تقديم ضمانات دستورية واضحة للفصل بين المؤسسات الدينية وسلطة الدولة، أو الاعتراف الكامل باستحقاقات المواطنة والتأسيس الجديد.
والفرق بين الدولة المدنية والدولة العلمانية ليس مجرد خلاف لغوي. فالدولة المدنية قد تكون علمانية بالفعل إذا قامت على حياد مؤسساتها تجاه الأديان، لكنها قد تتحول أيضاً إلى صيغة ملتبسة تسمح باستمرار التشريع الديني والتمييز باسم إرادة الأغلبية، فالامر متروك لتوازنات نخب سودان مابعد الاستعمار، وهي نخب لايمكن الثقة بها… والكلام ده غير ناضج ومابيبقي!
وهنا يصبح السؤال: لماذا يُطلب من الحركة الشعبية، وثورة وثوار السودان الجديد التخلي عن ضمانات تعتبرها جوهرية للمواطنة المتساوية، دون تقديم بديل دستوري ملزم؟
وهناك خلاف جوهري آخر؛ فبينما يتبنى الحزب الشيوعي إصلاح الجيش القائم، يطرح مشروع السودان الجديد تأسيس جيش وطني جديد، بعقيدة عسكرية تعكس التنوع السوداني، ويخضع للدستور والسلطة المدنية، بدلاً من إعادة إنتاج المؤسسة العسكرية القديمة بتاريخها وبنيتها الإقصائية.
وينسحب هذا الاختلاف على قضايا السلطات الإقليمية وحقوق الأرض والضمانات الدستورية. وعليه، فإن الخلاف الذي تجلّى في كاودا ليس خلافاً في التفاصيل، بل صراع بين مشروع يسعى إلى إصلاح الدولة القديمة مع الإبقاء على أسسها، وتوازنات قواها، ومشروع يرى أن تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية يستوجب إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها من الجذور.
رابعاً: ثورة ديسمبر والوثيقة الدستورية — التاريخ لا يعود إلى الوراء
تؤكد قيادة الحزب الشيوعي أن مشروعها لا يزال يقوم على وقف الحرب واستعادة مسار ثورة ديسمبر والانتقال الديمقراطي، وصولاً “إلى إعادة تأسيس دولة المواطنة، ثم تستدرك بأن هذه الدولة لن تُؤسس على أسنة رماح “الجنجويد”!
لكن هذا الطرح يثير سؤالاً جوهرياً: أي ثورة يريدون استعادتها؟ وأي انتقال ديمقراطي؟ ووفقاً لأي وثيقة دستورية؟
لقد شكلت انتفاضة/ثورة ديسمبر 2018 محطة مهمة في نضال السودانيين، لكنها ليست لحظة تاريخية يمكن استعادتها بتجاهل ما أعقبها من تحولات. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والثورات ليست نصوصاً مقدسة، بل عمليات تاريخية تتطور وتتجاوز مراحلها بفعل تناقضاتها الداخلية.
لقد أفضت تسوية عام 2019 إلى شراكة بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، بما فيه قوات الدعم السريع، وأصبح قائدها محمد حمدان دقلو نائباً لرئيس مجلس السيادة. أما الوثيقة الدستورية فقد كانت نتاج مساومة بين النخب المدنية والعسكرية، لا انتصاراً حاسماً لقوى الثورة على مؤسسات الدولة القديمة، ولا مش كده؟!
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تواجهها الأستاذة نعمات كوكو، وهي المحفز علي كتابة هذه المقالة، والي كل من يدعو إلى استعادة ذلك المسار: إذا كانت مشاركة الدعم السريع اليوم سبباً كافياً لرفض أي مشروع سياسي، فكيف كانت مشاركته في السلطة عام 2019 مقبولة ضمن تسوية شارك الحزب الشيوعي في صياغة مسارها السياسي؟ ولا شنو؟
لم يكن “الجنجويد” آنذاك قوة ثورية، وكانت الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بتاريخهم معروفة قبل الثورة. ومع ذلك، أصبحوا شركاء في السلطة الانتقالية التي أفرزتها تسوية قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري. أما اليوم، فقد أصبح الدعم السريع، على الأقل من حيث الالتزام السياسي المعلن، طرفاً موقعاً على ميثاق تأسيس الذي يتبنى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. وهذا لا يمنحه صفة ثورية تلقائياً، ولا يعفيه من المسؤولية عن أي اتهامات جرائم وانتهاكات، لكنه يكشف تناقض المعايير المستخدمة للحكم على مشاركته السياسية!
فهل كانت الشراكة مع الدعم السريع مقبولة عندما جرى تقديمها باعتبارها انتقالاً ديمقراطياً وبمشاركة الحزب الشيوعي، ثم أصبحت مرفوضة من حيث المبدأ عندما ارتبطت بمشروع لإعادة تأسيس الدولة؟ ولا شنو؟
إن المطلوب ليس تبرئة الدعم السريع أو أي طرف آخر، بل إخضاع الجميع لمعيار واحد من العدالة والمحاسبة التاريخية، دون انتقائية أو حصانات سياسية.
وأخيراً، لا يمكن استعادة ديسمبر بمجرد استدعاء شعاراتها أو إعادة إنتاج مؤسساتها وتسوياتها. فقد تجاوز الواقع السوداني، بفعل الحرب والتحولات السياسية والاجتماعية، شروط عام 2019. والمطلوب اليوم ليس العودة إلى تسوية أثبتت هشاشتها، بل تجاوز إخفاقاتها نحو تأسيس دولة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية والتغيير البنيوي لمؤسسات السلطة.
خامساً: لا تأسيس بلا عدالة، ولا حصانة باسم الثورة أو الحرب
إن القول بأن دولة المواطنة لن تُؤسس على أسنة رماح “الجنجويد” يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف ستُؤسس هذه الدولة، ومن يملك حق المشاركة في تأسيسها؟
لا يمكن بناء دولة جديدة على الإفلات من العقاب، ولا يجوز اختزال جرائم السودان في طرف واحد؛ فالحرب لم تبدأ في الخرطوم في أبريل 2023، بل سبقتها عقود من الحروب والانتهاكات في أطراف البلاد. والعدالة التاريخية تقتضي محاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والخرطوم والجزيرة وغيرها، سواء انتموا إلى الدعم السريع أو الجيش أو الحركات المسلحة أو الأجهزة الأمنية.
ولا يمكن إعفاء الأحزاب السياسية من مسؤوليتها التاريخية؛ فقد ظلت قطاعات من نخبها حريصة على حماية امتيازات المركز، وعاجزة عن تبني مشروع تغيير “جذري” حقيقي وجاد ينهي التمييز ويؤسس للمواطنة المتساوية “دون لف ودوران”. وتقتضي العدالة مساءلة هذه القوى عن أدوارها السياسية والمؤسسية، مع التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية التي تستوجب أدلة قانونية.
فالعدالة لا يجوز أن تكون انتقائية، تُستخدم ضد الخصوم وتُعطّل حمايةً للحلفاء، كما أن المصالحة لا تعني تبرئة الجناة أو التفريط في حقوق الضحايا. فالعدالة ليست نقيضاً للسلام، بل شرط لاستدامته وأساس أخلاقي وقانوني لإعادة تأسيس الدولة.
ونعم، يجب أن يُحاسب “الجنجويد” عن كل جريمة تثبت مسؤوليتهم عنها، كما يجب أن يُحاسب غيرهم بالمعايير القانونية نفسها، دون حصانات سياسية أو عسكرية، ودون استثناءات تفرضها التحالفات والمصالح… ولا شنو؟!
خاتمة: من إصلاح دولة الامتيازات إلى تأسيس دولة المواطنة
إن المعضلة الفكرية للحزب الشيوعي السوداني ليست في تمسكه بالديمقراطية أو رفضه للحرب، وإنما في الفجوة بين هذه المبادئ واستحقاقاتها التاريخية.
فلا يمكن الحديث عن دولة المواطنة مع إبقاء العلمانية موضع مساومة، أو الاعتراف بالتعدد مع رفض مستحقاته الدستورية، أو الدعوة إلى العدالة مع تأجيل معالجة البنى التي أنتجت الظلم.
ولا يمكن أيضاً مطالبة الشعوب المهمشة بتقديم تنازلات وجودية باسم وحدة وطنية لم توفر لها تاريخياً المساواة والأمان!
إن المؤتمر الدستوري المطلوب ليس مؤتمراً لإعادة التفاوض على إنسانية السودانيين وحقوقهم الأساسية، بل فضاء ديمقراطياً للاتفاق على المؤسسات والآليات التي تكفل تلك الحقوق وتحميها، وعلي الحزب الشيوعي وغيره الاستيقاظ!
ومن هنا، فإن التأسيس الثوري لا يعني استبدال نخبة بأخرى، أو إحلال قوة مسلحة محل قوة مسلحة، او الإفلات من المحاسبة التاريخية والعقاب، بل تغيير القواعد التي جعلت الدولة أداة للاحتكار والإقصاء…
والدرس الذي تقدمه التجربة الأمريكية، كما تقدمه التجربة السودانية نفسها، هو أن الحقوق التي لا تسندها ضمانات دستورية ومؤسسات عادلة يمكن تفريغها من مضمونها، مهما كانت الشعارات المرفوعة باسمها.
لقد تجاوز السودان مرحلة الاكتفاء بالشعارات والوعود بالمواطنة والتعدد والديمقراطية. ولم يعد السؤال: هل نعترف بهذه المبادئ؟ بل: هل نحن مستعدون لدفع استحقاقاتها السياسية والدستورية والمؤسسية؟
فالتأسيس الحقيقي لا يبدأ عندما توافق النخب القديمة على منح الحقوق، بل عندما تصبح تلك الحقوق أساساً لا يجوز لأي سلطة أو أغلبية أو مؤتمر مصادرته.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




