
خالد فضل
منذ إندلاع النسخة الراهنة من حروب السودان ؛ وفي توقيت حاسم كادت فيه البلاد تخطو خطوة مهمة نحو التعافي الوطني الديمقراطي , كان واضحا بصمات جماعة الإسلام السياسي طبعة المؤتمر الوطني المحظور وقتذاك . في تاريخهم السياسي منذ الإستقلال يحبطون كل محاولات بناء السودان على أسس الحرية السلام والعدالة في مناخ ديمقراطي .
ما كان يجري في مداولات الجمعية التأسيسية في الستينات , حسمه الراحل د. الترابي بردّه المفرّق للشعب عندما سأله العضو المرحوم الأب فيليب عباس غبوش عن امكانية تولي غير المسلم لموقع الرئيس في الدستور الإسلامي المطروح في تلك الأوقات , فأجاب ؛ بعد مراوغة (لا) وكان انسحاب كتلة أعضاء الجنوب وجبال النوبة يومها قائلين إنهم لن يشاركوا في صياغة دستور يفرّق السودانيين , ويميّز بينهم بسبب الدين . كانت البلاد يومها في بداية صباها المستقل , وكان الوعد حاضرا والأمل مشبوب ببناء وطن يسع الجميع وتجاوز عثرات التاسيس التي اتسمت بنقض العهد المبرم مع الجنوبيين بميلاد سودان مستقل ديمقراطي فيدرالي لخلق التوازن المطلوب بين اقاليم البلاد ومعالجة موضوع التعددية بشكل يحفظ لكل السودانيين خصوصيتهم في الإطار القومي . لكن كان لتيار الإسلام السياسي الناشط حديثا راي آخر , ودور تخريبي سيستمر إلى يومنا هذا .
فقد أوعزوا للمرحوم النميري بأن يتحول السودان إلى إمارة إسلامية لمعالجة الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية المتردية نتيجة فشل النظام الشمولي الديكتاتوري العسكري الذي كانوا قد انضموا لركبه عقب مصالحتهم معه , كانوا يبيتون النية ويخططون للإستيلاء على الحكم عن طريق التغلغل في النظام المايوي , وتحت حماية الجيش . كدأبهم في العمل تحت (الكاب) وما يعنيه من قهر وقمع . ثم لما انهار نظام مايو , وفي فترة الديمقراطية القصيرة عمدوا إلى تشويه صورة النظام الديمقراطي بشتى السبل لتقويضه , فلما اشرأبت البلاد إلى آفاق الإنتقال نحو سلام شامل وبداية تأسيس البلد على قواعد الدولة الحديثة ,وغف إعلان مبادئ ما عرف باتفاق (الميرغني/قرنق) 1988م نفّذوا انقلاب 30يونيو1989م بمشاركة عناصرهم في الجيش (كالعادة) وكتائب المدنيين شبه العسكرية التي دربوها وجهزوها لهذه المهمة . ودوننا إفاداتهم المنشورة . وتصريح د. الترابي اذهب للقصر رئيسا .. إلخ .
لم يهدأ لهم بال عقب الإطاحة بعرشهم بعد ثلاثين سنة كئيبة وتعيسة في الحكم , فانقضوا على مسار الانتقال المدني الديمقراطي بإنقلاب 25أكتوبر 2021م بقيادة قائد الجيش ؛ بالطبع . فلما اهتزّ الإنقلاب تحت وقع المعارضة السلمية المستمرة , وبدأ سندهم الرئيس في الخطة حميدتي في تأكيد مواقف مغايرة لما خططوا له من أدوار , شعروا بأنّ الخطة على وشك الانهيار , فسارعوا إلى إشعال حرب 15أبريل 2023م بقاعدة (عليّ وعلى أعدائي) لوأد مسار ومطلب التحول المدني الديمقراطي مرّة واحدة وإلى الأبد كما يتصورون .
في كل لحظات الأمل والإنتقال نحو بناء دولة وطنية ديمقراطية تحقق شعار حرية سلام وعدالة كمطلب ثوري لازم لتأسيس البلاد , تظهر جحافل هذا التنظيم اللئيم لتقطع العشم . وفي كل مرّة يؤسسون للقبح والبؤس يجدون سندا من قاعدة شعبية يتم تضليلها بأوهام , الدين تارة والوطنية والكرامة كما يحدث حاليا . إنهم بارعون في استغلال عناصر الضعف الموضوعية وهشاشة النظام الديمقراطي الذي لم تترسخ قواعده بعد وينجحون في إثارة الغبار الكثيف حول الممارسات الخطأ أو التهاون والغفلة وحسن النوايا , فيفجرون في الخصومة , كما عايشنا فترة الديمقراطية الثالثة وتمهيدهم لإنقلاب الإنقاذ , وهو نفس ما أثاروه في فترة الأنتقال القصيرة الأخيرة , وذات ما مارسوه خلال سنوات الحرب الدامية الآن .
اليوم , الوضع مختلف عمّا كانت عليه الأوضاع في كل العقود الماضية من عمر الإستقلال . لأول مرّة بعد سبعين سنة تولد سلطة وتتشكل حكومة في جزء من التراب الوطني , تنزع عن السلطات والحكومات التقليدية السابقة صفة تمثيل كل السودانيين . تلك حقيقة لا يمكن تجاوزها , غض الطرف عن الإتفاق أو الإختلاف معها , فهناك اليوم مجلس رئاسي ورئيس وزراء وحكام أقاليم تأسيسيون , يستندون على مشروع سياسي منشور قوامه الأساس إعادة بناء السودان على أسس الطوعية والإختيار الحر للشعوب السودانية في مختلف الأنحاء , بمبادئ دولة ديمقراطية لا مركزية علمانية تتساوى فيها حظوظ كل السودانيين على قاعدة العدالة والحرية والمساواة في مجتمع متعدد يسوده السلام وتهفو أفئدته للوحدة الوطنية بمحتواها الفعلي وليس الشكلي .
لقد تكشفت الألاعيب الخبيثة , وصار الدرب أمام التأسيسيون واضحا , لا يحتاج إلى عبقرية , فقط مراجعة كل ممارسات العهود الماضية وخاصة عهد الإسلاميين البغيض والعمل عكسه . عندها ستصل البلاد إلى درب الخروج النهائي من دوامة الفشل . فما من قيمة رفيعة إلا وأفرغها الظلاميون من محتواها , المطلوب فقط إعادة محتوى القيم . بدءا من مسمى الحكومة (السلام والوحدة ) إلى آخر بند في الميثاق , هنا يكمن التحدي . التأسيسيون أمام معركتين في وقت واحد , ضد النفس ونواقصها كأولى المهام واصعبها . وضد الموروث من عقابيل الفساد والإستبداد والعنصرية والقهر … إلخ
نعم تبدأ مسيرة التأسيس من واقع مأزوم فعلا , وإنقسام مجتمعي حاد وعنيف , الدعوات المجانية أو البلاغة في مخاطبة العواطف لا تفيد شيئا , لابد من خطط علمية مدروسة بعناية يطابق محتواها ما ينفذ على الأرض فعلا , الشفافية تعني الشفافية كما هي بدون تبريرات فارغة مثل ضرورات المرحلة أو لا صوت يعلو فوق صوت التأسيس . المساءلة والمحاسبة لحميدتي والحلو مثلهم مثل أي مواطن في أي قرية نائية , ذلك هو القانون الأسمى الذي يجعل الناس يثقون في سلامة ركائز التأسيس . اختار التأسيسيون دربا شاقا وطويلا ووعرا , لكن لابد لمن يطلب الشهد من وخزات النحل , فهل همو على استعداد لتحمل الأذى ؟
السلطة أو الحكومة ليست غاية , بل وسيلة نحو كفالة وصون حقوق الإنسان الفرد , لذلك كل إنسان له قيمته التي تساوي ملايين الأنفس , كل نفس تزهق بغير وجه حق جريمة مكتملة الأركان لا سبيل لتبريرها بسقف أدنى من محاسبة الجاني مهما كان منصبه أو وظيفته فالاصل في وظائف الحكم ليس الإمتياز بل الخدمة نظير راتب ومخصصات معلومة ومنطقية سدّا لأبواب الفساد والتكالب على المناصب .
وصلت بلادنا الآن الميس , إمّا أن تؤسس وطنا لنا جميعا على قواعد واضحة راسخة تكفل السلام والحرية والعدالة أو تذهب كما ذهبت امبراطوريات وسلطنات وممالك ودول إلى سطر في كتب التاريخ




