
علي أحمد
لم يكن تقرير شبكة CNN عن التطهير العرقي في ولاية الجزيرة مادةً استقصائية عابرة، بل شكّل لحظة مفصلية في طريقة نظر المجتمع الدولي إلى الحرب في السودان. فقد جاء في توقيت سياسي بالغ الحساسية، ومدعوماً بأدلة بصرية واضحة، ليكسر حالة الالتباس التي أحاطت بدور الجيش السوداني وحلفائه منذ اندلاع القتال.
أبرز ما فعله التقرير أنه وجّه ضربة مباشرة للرواية التي ظلّ الجيش يقدّم بها نفسه خارجياً بوصفه المؤسسة الوطنية التي تحارب ميليشيا متمردة وتدّعي حماية المدنيين. غير أن الوقائع التي عرضها التحقيق، خاصة ما يتعلق بالتصفية على أساس عرقي وإخفاء الجثث في القنوات المائية، قوّضت هذه الرواية وأضعفت قدرتها على الصمود أمام الرأي العام الدولي.
لم تُسهم ردود الفعل الرسمية في الحد من أثر التقرير. فقد التزم الجيش الصمت ولم يقدّم أي توضيح أو رد على الأسئلة التي وُجّهت إليه قبل النشر، وهو ما زاد من صعوبة نفي الأدلة المعروضة، ولا سيما تلك المستندة إلى صور الأقمار الصناعية. في المقابل، سارعت قوات درع السودان، وهي مجموعات قبلية حليفة للجيش، إلى نفي الاتهامات، إلا أن هذا النفي جاء عاماً ومفتقراً إلى شواهد ملموسة يمكن أن تبدد الشكوك.
على المستوى الدولي، عزّز التقرير مساراً كان يتبلور بالفعل نحو تشديد الضغوط والمساءلة. ففي الولايات المتحدة، وفّر التحقيق مادة قوية لمطالبات داخل الكونغرس بفرض عقوبات تطال قيادات عسكرية، وليس الاكتفاء بإدانة طرف واحد في الصراع. كما أن ما ورد في التقرير يمنح لجان الأمم المتحدة أرضية صلبة للاعتماد عليها في توصيف ما يجري بوصفه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
أما داخلياً، فقد أعاد التقرير تسليط الضوء على المخاوف العميقة لمجتمعات الكنابي في ولاية الجزيرة، مؤكداً أن ما تتعرض له ليس حوادث معزولة أو نتيجة فوضى القتال، بل ممارسات منظمة تستهدفها بسبب هويتها الاجتماعية والعرقية.
في الخلاصة، أسقط تقرير CNN الغطاء الأخلاقي الذي حاول الجيش السوداني الاحتماء به منذ اندلاع الحرب، وحوّل توصيف ما يجري من مواجهة عسكرية إلى قضية تطهير عرقي موثّقة. وهو تحول مرشح لإعادة رسم مسار الضغوط الدولية على السودان، ووضع أطراف النزاع كافة تحت مجهر المساءلة، في مرحلة لم يعد فيها تجاهل الوقائع أو القفز فوقها خياراً ممكناً.




