تحالفوا مع الجيش سبعين عامًا … ويعيبون علينا التحالف مع بعضٍ مما صنعوا!
عن النخب، والجيش، والدعم السريع، والحركة الشعبية... وتحولات الصراع في السودان

خالد كودي – الأراضي المحررة
لماذا لا تهضم النخب السودانية تحالف الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال مع قوات الدعم السريع؟
السؤال في جوهره ليس استنكارًا سياسيًا عابرًا، بل اختبار حاسم لطبيعة الوعي السياسي في السودان، ومرآة تعكس أزمة النخب السودانية في إدراك التحولات العميقة التي تجري تحت أقدامها. فهذه النخب، التي تشكو اليوم من “تحالف مشبوه”، هي ذاتها التي بنت تحالفًا بنيويًا ممتدًا مع المؤسسة العسكرية، منذ لحظة الاستقلال وحتى يومنا هذا، تحالفٌ لم يكن هدفه بناء وطن، بل هندسة دولة تخدم مصالحها الضيقة، وتحرس امتيازاتها الرمزية والمادية.
النخبة والجيش: تحالف ضد الوطن
منذ 1956، لم يكن الجيش السوداني في يوم من الأيام مؤسسة محايدة، قومية، أو مدنية، بل كان ـ في جوهر بنيته ـ أداةً قمعية مكرّسة لخدمة المركز، وتأبيد هيمنته على الهامش. لقد استخدم لحماية السلطة، وليس الشعب؛ لحماية الامتيازات، لا لتحقيق العدالة.
تحالفت النخب السياسية، البيروقراطية، التجارية، والدينية، مع الجيش على مشروع لا يهدف لتأسيس دولة المساواة، بل لتأبيد الدولة الاستعمارية ببنية أكثر عنفًا وتهميشًا، وأكثر انغلاقًا. من قانون النظام العام الذي حوّل أجساد النساء إلى مساحات تأديب، إلى الوثيقة الدستورية 2019 التي أبقت للجيش حق الفيتو، ومن قانون القوات المسلحة لسنة 2007 المعدّل الذي يمنع مساءلة العسكريين، إلى قانون الأمن الوطني الذي شرعن القتل والاعتقال، ظلت النخبة تحتمي بمؤسسة القمع وتغذيها، باسم “الوحدة الوطنية”
لكنها وحدة مفروضة بالقهر، تضمن:
– السيطرة المطلقة على مراكز القوة (الجيش، الإعلام، التعليم، السوق)؛
– تهميش الهامش ماديًا، عبر منع الخدمات والتنمية؛
– وتهميشه رمزيًا، عبر شيطنته وربطه بالجهل والعنف
لقد تحالفوا مع الجيش لا لضرورات وطنية، بل للحفاظ على شبكة مصالح تعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال.
أما تحالف الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال مع قوات الدعم السريع، فلا يمكن فهمه بوصفه إعادة إنتاج لتحالفات النخب التقليدية مع المؤسسة العسكرية، بل يجب قراءته كموقف سياسي–استراتيجي ينطوي على مراجعة جذرية لبنية التحالفات في السودان، ومحاولة لتفكيك المنظومة التي أنتجت العنف والتمييز البنيوي.
فمن الناحية التاريخية، نشأت قوات الدعم السريع كأداة أمنية–عسكرية أنشأتها السلطة المركزية في الخرطوم، وجيّشتها لمهام قتالية ضد المجتمعات المهمشة، ضمن نموذج دولة يحكمها منطق السيطرة عبر الوكالة والعنف الموجَّه. وقد لعبت هذه القوات، في مراحل سابقة، دورًا وظيفيًا خالصًا ضمن جهاز الدولة القمعي الذي ترعاه النخب المركزية وتحمي امتيازاتها من خلاله.
لكن طبيعة الصراع في السودان شهدت تحولًا نوعيًا، تمثل في تمرد الدعم السريع على مركز القرار الذي أنشأه، وتوجيهه السلاح إلى المؤسسة العسكرية التقليدية، لا بوصفها خصمًا ظرفيًا، بل بوصفها البنية الأصلية للإقصاء والتهميش والإبادة. في هذا السياق، لم تعد قوات الدعم السريع مجرد أداة مأمورة، بل أصبحت فاعلًا سياسيًا وعسكريًا منفلتًا من قبضة المركز، وذا مصلحة موضوعية في تفكيك البنية السلطوية التي طالما استخدمته كوسيلة حرب بالوكالة.
عليه، فإن تحالف الحركة الشعبية مع الدعم السريع لم يكن تبرئة لسجله، ولا تسوية أخلاقية معه، بل تقاطعًا براغماتيًا–استراتيجيًا في لحظة تاريخية نادرة، فرضتها وقائع الحرب، وإعادة الاصطفاف، وتضارب المصالح داخل معسكر الدولة القديمة. لقد تعاملت الحركة مع هذا التحول لا من منطلق الطهرانية الثورية، بل من منطلق إدراك عميق لطبيعة الدولة السودانية بوصفها بنية استعمارية داخلية، لا يمكن تفكيكها إلا من خلال تحالفات ذكية مع قوى مسلحة خارجة عن سيطرة المركز، شريطة أن تتقاطع هذه القوى مع مشروع وطني بديل، كما هو الحال في ميثاق تأسيس السودان الجديد ودستور تأسيس، اللذين ينصان بوضوح على إعادة بناء الدولة على أسس علمانية، لا مركزية، عادلة، ومؤسسة على المواطنة وحق تقرير المصير.
وباختصار، فإن التحالف مع الدعم السريع لم يكن اعترافًا بشرعيته الماضية، بل استثمارًا في لحظة انشقاقه عن البنية التي أنشأته، لصالح مشروع تحرري جديد، يتجاوز الدولة المركزية ويفتح أفقًا لتأسيس جمهورية عادلة لكل السودانيين.
على ماذا تحالفت الحركة الشعبية مع الدعم السريع بالظبط؟
لم يكن تحالفها قائمًا على المحاباة أو التسويات الغامضة، بل على نصوص واضحة، منشورة، وذات مشروعية أخلاقية وثورية، أبرزها:
– ميثاق تأسيس السودان الجديد (2025
– الدستور الانتقالي لتحالف تأسيس
– المبادئ فوق الدستورية
وتنص هذه الوثائق على:
– بناء دولة علمانية تعددية قائمة على المواطنة؛
– محاسبة كل مرتكبي الجرائم ضد المدنيين، بلا حصانات؛
– تفكيك الجيش الحالي وإعادة بناء مؤسسة عسكرية مهنية؛-
– الاعتراف بحق تقرير المصير؛
– إعادة هيكلة الدولة وإنهاء المركزية الهيكلية الظالمة
الان:
– هل أخطأ الدعم السريع في الماضي وارتب جرائم فادحة في حق المواطن السوداني؟ نعم
– هل تسعى الحركة الشعبية إلى تبرئة هذه الجرائم؟ لا.
التحالف الحالي هو إعادة تموضع سياسي من أجل تفكيك بنية الهيمنة، وليس لتبييض أدواتها.
لماذا تغضب النخب؟
لأنها ستخسر كل شيء:
– سلطتها الرمزية كوصية على “الوطنية”؛
– احتكارها للخطاب العام والديني والثقافي؛
“- “حقها” الحصري في تمثيل السودان أمام المجتمع الدولي؛
– هيمنة الجيش بوصفه الحارس الأمين لمصالحها
الغضب ليس أخلاقيًا، بل وجودي.
هي تغضب النخب لأنها عاجزة عن تصور وطن لا تكون هي مركزه، ولا يكون فيه المهمشون “هوامش”
وكما كتب جان بول سارتر عن النخبة الكولونيالية في الجزائر:
“إنهم لا يغارون على الوطن، بل على امتيازاتهم في الوطن. ”
المقارنات العالمية: هذا التحالف ليس بدعة
– في جنوب أفريقيا، قبل مانديلا دمج عناصر من أجهزة القمع في جيش الدولة الجديدة، شريطة الاعتراف والعدالة، لأنه أدرك أن النقاء الأخلاقي في السياسة قد يكون عقبة أمام العدالة التاريخية؛
FMLN- في السلفادور، تحالفت جبهة
مع ضباط سابقين في النظام العسكري بعد انشقاقهم، سعيًا لبناء مشروع وطني جديد؛
– في الهند، استخدمت حركة “الناكساليت” تحالفات مع عناصر كانت في جهاز الشرطة القروية من أجل بناء مشروع توزيع الأرض والعدالة الريفية.
إذن، السؤال ليس: من تحالفت معه؟
بل: على ماذا تحالفت؟
والسؤال الأعمق: لماذا قاتل المهمش المهمش؟
لماذا قاتل شباب دارفور أهلهم في جبال النوبة؟ لماذا قُتل أبناء الجنوب على يد أبناء الهامش الآخرين؟
الجواب لا يكمن في “الجهوية” ولا “القبلية” وحسب، بل في بنية مركزية دموية صنعت “اقتصادًا للحرب”، وخلقت ولاءات قائمة على البقاء والرزق، لا على الوطنية.
هذه البنية صنعت الآخر “العدو” داخل الهامش نفسه، وروّجت لخطاب أن عدو الخرطوم هو عدونا تلقائيًا.
لكن الحركة الشعبية رفضت هذه المعادلة وثارت ضدها.
وها هو الدعم السريع اليوم يرفضها.
ومن هنا تبدأ الثورة الحقيقية.
المهمشون لا يحبون الحروب
لم يولد المهمشون ليحملوا السلاح. هم حملوه دفاعًا عن حقهم في أن يكونوا بشرًا:
أن يشربوا ماءً نظيفًا، أن يدخل أبناؤهم المدارس، أن تكون لهم وظائف، وحقوق، وكرامة.
الحركة الشعبية قاتلت الدعم السريع حين كان أداة المركز، وتحالفت معه حين انقلب على المركز وهذا، في علم السياسة، ليس تناقضًا، بل نضجٌ ثوري، وانتقال من رد الفعل إلى الفعل.
في تقارير أممية، كتب فرانز فانون:
إنّ المستعمَر لا يصبح فاعلًا في التاريخ إلا حين يكتشف أن العدو ليس الآخر فقط، بل أيضًا الدولة التي صاغت معنى الآخر”
أزمة النخب: لا تهضم التحولات لأنها لا تهضم ذاتها
النخبة السودانية مأزومة لأنها لا تعرف الانتصار على الذات، كما وصف هيغل في فلسفته:
“الحرية تبدأ حين ينتصر الإنسان على نفسه.”
لكن النخب ترفض هذا الانتصار.
تفضل خطاب الشتيمة والتكفير، على الاعتراف بأن المهمشين باتوا فاعلين لا موضوعات في سرديتهم المتكلسة.
خاتمة: تحالف أبناء الظل… وولادة مشروع ما بعد الهيمنة
إن تحالف الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال مع قوات الدعم السريع لا يمكن اختزاله في الحسابات الأخلاقية المجتزأة، ولا في مقاييس الطهر الثوري التي توظف لشرعنة العزلة السياسية. بل هو تحالف موضوعي–استراتيجي جاء استجابة لمعطيات مادية وتاريخية، تتعلق بإعادة اصطفاف قوى العنف والسلطة في السودان، وانكشاف الطابع البنيوي العنصري والمركزي للدولة القديمة.
هذا التحالف ليس انفعالًا ظرفيًا، بل تموضع عقلاني لقوى كانت في السابق على طرفي نقيض، لكنها تقاطعت موضوعيًا في مواجهة المنظومة التي همّشتها، ووضعتها في معسكرات، وجرّدت موتها من القيمة السياسية، حتى تحوّل ضحاياها إلى أرقام
التحالف إذن، هو إعلان ولادة مشروع سياسي جديد، يقوم على تفكيك بنية الدولة التي طالما نصّبت “المركز” حارسًا للوطنية، و”الهامش” خزانًا للموت. إنه تحالف بين “أبناء الظل” – على حد وصف أورلاندو فالس بيفر في دراسته عن “اللاعنف من الأطراف” – لا لبناء سلطة بديلة فقط، بل لإعادة تعريف الدولة من جذورها، لتكون بلا مركز، وبلا تمايز وجودي بين إنسان وآخر.
وفي هذا السياق، تعود كلمات نيلسون مانديلا لتأخذ معناها الكامل:
“أعداؤكم ليسوا بالضرورة أعداءنا. نحن نعرف من اضطهدنا، لا من وُجه لقتالنا”
وإنّ هذه اللحظة، كما يقول أنطونيو غرامشي، هي ما بين عالم يموت وآخر لم يولد بعد
وعلى عكس من يخاف من ولادة الجديد، اختارت الحركة الشعبية، ومعها قوى أخرى في الهامش، أن تخوض هذا المخاض، وأن تتجاوز ثنائيات “نقاء الذات” و”عداوة الخصم”، نحو لحظة تأسيسية حقيقية:
إما أن تدخل النخبة التاريخ بوصفها فاعلًا جديدًا، أو تبقى رهينة ماضٍ أعاد إنتاج الموت مرارًا باسم الوطنية، والهوية، والجيش القومي.
لقد دقّت ساعة الحقيقة.
ولن يُبنى السودان الجديد على ذاكرة الإنكار، بل على شجاعة الاعتراف، والقدرة على الانتصار على الذات، وهو ما وصفه هيغل بأنه:
“”الشرط الأول للحرية، أن ينتصر المرء على نفسه.
لكن النخب، كما هي، عاجزة عن هذا الانتصار.
تتراجع إلى خطاب الشتم والتكفير والتخوّف، لأنها تدرك أن بزوغ مشروع السودان الجديد يعني أفول امتيازاتها، ونهاية الرواية الوحيدة التي كُتب فيها الوطن باسمها وعلى مقاسها.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد إعادة توزيع للأدوار، بل هو لحظة ما بعد الهيمنة، لحظة كسر القالب وبناء المعنى.
لحظة تحرير الدولة من استعمارها الداخلي.
ومن هنا، لا يبدأ فقط مشروع السودان الجديد، بل تبدأ الدولة بوصفها وعدًا للجميع، لا عقوبة للبعض…
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




