
د. خالد تارس
لم يكن الإتحاد الأفريقي يوماً ما طرفاً محايداً في القضية السودانية منذ سيطرة الحركة الإسلامية على مقاليد الأمور، بل كانت مواقف المنظومة الأفريقية دائماً مشوباً بالانحياز السياسي للسلطة، وعلى الرغم من وضوح رؤية الإتحاد ونظامِه الأساسي الذي يتبنّى قيم الديمقراطية والعدالة، إلا أنَّ ممارسات قادته غالباً ما تختلفُ عن نصوصه المكتوبة. إنَّ هذا التناقض الصارخ ليس إلا انعكاساً لما يجري في القارة من تراجع ديمقراطي فظيع، فقد اشتهر بعض الحكام الأفارقة بالاستبداد وظلم الشعوب، وللأسف فإنَّ بعض الكوادر الرفيعة في الاتحاد تناصرُ هذا التسلط وتدعمه بشكل علني، بل تسهم بوعيٍ أو بدونه في تعميق الدكتاتورية وترسيخ حكم الفرد في بلد كالسودان، وبسبب هذا السلوك المشين تتراجع مكانة الاتحاد الأفريقي بشكلٍ مطَّرد، ويغدُو في نظر شعوب القارة مجرّد منظومة فاشلة ومتآمرة، لا تتسقُ ممارساتها مع المبادئ الصارمة التي قامتْ عليها أعمدة الاتحاد، فبدلاً من أن يختار الاتحاد الوقوف إلى جانب الشعوب الأفريقية التواقة تماماً للحرية والعدالة، يختار الوقوف بجانب الحكومات الانقلابية والحكام العسكريين والفاسدين، وهذا دليل ساطع على أنَّ أجهزة الاتحاد نفسها تعاني أزمة (هيكلية) .. وفساداً مستشرياً.!
ان اقرب مثال لممارسات الإتحاد الأفريقي البائسة هو الحالة السودانية الراهنة، فبدلاً من أن يدعم التحوّل المدني في السودان اختار الاتحاد دعم بقاء المنظومة المركزية التي تسببتْ في استمرار الأزمة والصراع التاريخي في السودان، وقد تجلّى ذلك بوضوح في البيان الهزيل الذي أصدرتْه عناصر في الاتحاد متعاونه أساساً مع سلطة بورتسودان، البيان اعترف بحكومة الدكتور كامل إدريس الذي عيّنه الفريق البرهان، المنقلب على الحكومة المدنية بقيادة الدكتورِ عبد الله حمدوك، هذا القرار لم يمثلْ تراجعاً كبيراً فحسب، بل هو إهانة صريحة للنظام الأساسي الذي علّقَ عضوية السودان بسبب انقلاب 25 أكتوبر الذي قام به البرهان، هذا الاعتراف يبدو أنه سلوك انتهازي لشخصيات فاعلة داخل الاتحاد، تتواصل سراً وعلناً مع المتسببين في تجميد العضوية، ويعتبر هذا الإعتراف اعترافاً بنظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، الذي أطاحت به ثورة الشعب السوداني في أبريل 2019.
إنَّ من يراقب سير العمل في الاتحاد الأفريقي يدرك جيداً أنَّ الخطوات الأخيرة ليست وليدة الصدفة، ولم تأتي لتحسن في مواقف السلطة الانقلابية في بور تسودان، ولكن ان ممثل الصومال في الاتحاد والذي يمثل الوجهة الخفي لنظام الإنقاذ القمعي في السودان بذل جهداً كبيراً لجعل هذا المهمة واقعا ، حيث انه قام بدوره (المقدسِ) للاعتراف بحكومة الحركة الإسلامية في بورت سودان حتى يُمهّدَ الطريق أمام ممثل الجزائر التي تولت رئاسة الإتحاد يوم امس لإستكمال المهمة وإعادة السودان إلى أروقة الاتحاد عزيزاً بمَنْ (وادوا).. الدولة المدنية وقتلوا أحلام شعوبها التواقة للحرية والعدالة.




