
د. عبدالله محمد ادم – كمبالا
لم تعد ساحة المعركة في السودان تقتصر على الرصاص و المدافع، بل امتدت إلى ما كان يُفترض أن يكون حصناً منيعاً للضمير الإنساني،ففي مشهدٍ يُمزّق أوصال الوطن وأخلاقيات المهنة، نجد منظمات طبية ومهنيين، كالجمعية الطبية السودانية و SAPA و SAMA و منظمات اخري لاطباء سودانيين – كان من واجبهم أن يكونوا حُماةً لحياد المرفق الإنساني – قد انخرطوا في لعبة الاصطفاف السياسي والعسكري، مُحولين “الرداء الأبيض” إلى رايةٍ ملطخةٍ بألوان الصراع، فكانت الخيانة المزدوجة للوطن وللإنسانية و
المفارقة المؤلمة تكمن في أنها هيئاتٍ طبية *وطنية* ترفع شعارات الخدمة العامة، قد اختارت أن تُطبّق العدالة الجغرافية في تقديم الرعاية! فبينما تنتشر عياداتها و خدماتها في مناطق سيطرة الجيش (بورتسودان، الجزيرة، الشمالية)، تخلو المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع من وجودها، وكأن جرحى الحرب وأمراض المدنيين في كردفان و دارفور ليسوا سودانيين يستحقون العلاج! والأصعب هو الصمت المريب عن تبرير هذا الموقف، وكأن حياة الإنسان تُقاس بخطوط سيطرة الميليشيات.
أين ذهبت أخلاقيات المهنة”؟
المادة الثالثة من القانون الطبي السوداني، ومواثيق نقابة الأطباء العالمية، تُجمع على حقيقةٍ مقدسة، هي ان الطبيب يعالج الإنسان.. لا يسأل عن هويته أو انتمائه و حتى اتفاقيات جنيف تنصّ صراحةً على وجوب معاملة الجرحى والمرضى من جميع الأطراف دون تمييز ،فكيف يقبل طبيبٌ – أقسم على قسم “أبقراط” – أن يرفض علاج مريضٍ لمجرد أن سكنه يقع في منطقة نفوذ الخصم؟ أليس هذا انتهاكاً صارخاً لروح المهنة التي تعلو فوق السياسة؟ هل يعلم قيادات هذه المهنة ان العاقبة هي تمزيق النسيج الاجتماعي،
فعندما تتحول المستشفيات والمنظمات الطبية إلى أدواتٍ في الصراع، تتحول إلى قنابل اجتماعية تُفجّر الثقة بين مكونات الشعب،لان اختيار علاج مواطنٍ بسبب موقعه الجغرافي يُرسّخ فكرة المواطن من الدرجة الثانية، ويُعمّق الشرخ بين السودانيين و الأفظع أن الطب – الذي كان يجب أن يكون جسراً للتعافي الوطني – صار عاملاً في تأبيد جراح الحرب وتكريس الكراهية.
نعم هناك تبريرات واهية، لكن المسؤولية غائبة ، فقد يلوّح البعض بذريعة الأمن أو صعوبة الوصول الي النهود، و الكومة و الفاشر ، لكن التاريخ يشهد أن الأطباء الحقيقيين دخلوا أغوار الحروب والأوبئة تحت القصف. ألم تصل فرق طبية عالمية ومحلية إلى مناطق نزاعٍ حول العالم أكثر خطورةً من السودان؟ و هل حاولت هذه المنظمات حقاً التفاوض مع *جميع* الأطراف لضمان ممرات آمنة؟ أم أن الصمت و التواطؤ كانا خياراً سهلاً تحت ضغط الولاءات الضيقة؟
هذا نداء لاستعادة قدسية البياض
لان ما حدث ليس خطأً إدارياً، بل *جريمة أخلاقية* ضد مهنة الطب وضد شعبٍ يئنّ تحت وطأة الحرب،و على نقابة الأطباء السودانيين، والمنظمات الطبية الوطنية في المهجر، أن تُعلن فوراً حيادها المطلق ورفضها للاصطفاف و تطالب جميع الأطراف بضمان وصول الخدمات الطبية للمناطق كافة و ان تُخضع قراراتها لمحاسبة شفافة أمام الشعب، مستلهمة نماذج الأطباء الشجعان الذين ظلّوا أوفياء للقسَم في أصعب الظروف.
فالطبيب الذي يختار بين مريضٍ وآخر بناءً على خريطة المعارك، ليس مجرد منحاز ، بل هو *شريك في تحويل الطب إلى سلاح* و عندما يُصبح البياض الطبي مُلوّثاً بلون الدم، يفقد الوطن آخر معاقله الأخلاقية.. فهل نُدرك الخطر قبل فوات الأوان؟ و الطبيب الحقيقي لا يعرف حدوداً سوى حدود الإنسانية، ولا يعرف خريطة سوى خريطة الألم.
فهل سمعتم صراخي ايها الاطباء




