رأي

من الرقيبات إلى النعام: فرصة لبناء سودان جديد عبر التمازج والتكامل الحدودي

د. موسى الأمين حمودة

د. موسى الأمين حمودة

تُعد مناطق التمازج على طول بحر العرب وفي منطقة أبيي من أهم المساحات الجغرافية التي تجسد قيم التعايش والتنوع في السودان. فقد أصبحت هذه المناطق، التي تربط بين جنوب السودان وولايتي شرق دارفور وغرب كردفان، مراكز حيوية للتلاقي الاجتماعي والثقافي، وممرات نشطة للتجارة الدولية والدبلوماسية الشعبية.

وليس هذا التمازج وليد اللحظة، بل له جذور ضاربة في عمق التاريخ الاجتماعي للمنطقة. فقد لعبت الإدارات الأهلية دورًا محوريًا في تنظيم العلاقة بين شعبي السودان وجنوب السودان، من خلال إقامة مؤتمرات دورية للتعايش السلمي بين قبائل الرزيقات والمسيرية وقبائل الدينكا، استمرت لأكثر من مائة عام. وكان الهدف الأساسي من هذه اللقاءات هو ترسيخ النسيج الاجتماعي، وبناء جسور الثقة، ومعالجة القضايا التي تنشأ بفعل التداخل الجغرافي، مثل القتل والسرقات والنزاعات القبلية، حيث يتم حلها وتسويتها بالطرق العرفية والاجتماعية، في إطار من الحكمة والاحترام المتبادل.

لكن، وعلى الرغم من هذا التاريخ الطويل من التعايش والتواصل الشعبي العفوي، فقد تجاهلت حكومات الشمال المتعاقبة منذ الاستقلال هذه المناطق، ولم تُولِها ما تستحقه من رعاية وتنمية. إذ لم تُنشأ فيها أي مشروعات خدمية تُعزز من وحدة البلاد وتدعم الاستقرار في هذه المناطق الحساسة، رغم كونها تمثل نموذجًا حقيقيًا لما يمكن أن تكون عليه الوحدة الجاذبة.

فعلى سبيل المثال، تُعد منطقة بحر العرب نموذجًا صارخًا لهذا الإهمال، حيث تنتشر فيها مجتمعات الرُحل والبدو على امتدادات شاسعة تُقدّر بآلاف الكيلومترات، تمتد حتى داخل حدود جنوب السودان، دون أن تتوفر فيها مقومات الحياة الأساسية من صحة، أو خدمات شرطية، أو بنى تحتية تنموية. وهو ما أدى إلى هشاشة في الاستقرار وغياب لوجود الدولة في واحدة من أكثر مناطق السودان حساسية وأهمية من حيث التمازج الحدودي والتفاعل بين الشعوب.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أهمية تطوير المعابر الحدودية مثل معبر الرقيبات أو سماحة الحدودي، الذي يُعد الأقرب إلى ولاية شرق دارفور، وله أهمية استراتيجية واقتصادية كبرى. يمكن لهذا المعبر أن يلعب دورًا محوريًا في تنشيط التجارة الدولية، خاصة مع دولة جنوب السودان، إذا ما حظي بالاهتمام اللازم من الدولة. ويتطلب ذلك تشييد المدارس، والداخليات، والمستشفيات، وتوفير خدمات الحياة الأساسية، بما يعزز من استقرار المجتمعات المحلية في محيطه.

ونفس الرؤية يمكن أن تُطبق على معبر النعام الحدودي بولاية غرب كردفان، الذي يمثل فرصة حقيقية لاستقرار المجتمعات الحدودية، إذا ما وُضع تحت مظلة حكم محلي فاعل يتمتع بقدر من الحكم الذاتي الذي يسمح له بإدارة شؤونه وفقًا لخصوصيات المنطقة وسكانها.

إن ما تشهده هذه المناطق من تفاعل سلمي وتاريخ من التعايش يفرض على حكومة التأسيس المرتقبة أن توليها اهتمامًا خاصًا، عبر تبني مشاريع تنموية شاملة، وتفعيل آليات دعم التعايش السلمي، وتحسين البنية التحتية التي تعزز التواصل الإنساني والتجاري والدبلوماسي بين شعوب المنطقة.

رعاية مناطق التمازج والمعابر الحدودية ليست فقط التزامًا أخلاقيًا، بل ضرورة استراتيجية لبناء سودان جديد، مستقر ومزدهر، قائم على الاعتراف بالتنوع وتعظيم المشتركات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!