
أطلقت صافرات الإنذار محذّرة من خطورة السكن في الخرطوم، التي فقدت العديد من مناطقها صلاحية الحياة الآمنة صحيًا بسبب استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية المحرّمة دوليًا. وقد يطول أمد هذا الوضع غير الصحي، خاصة بعد تمسّك قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان وحلفائه بالبقاء في بورتسودان، عقب انسحاب قوات الدعم السريع نتيجة السلاح الكيميائي. وفي الوقت الذي تشجّع فيه حكومة البرهان وحلفاءه الإسلاميين وغيرهم المواطنين على العودة إلى الخرطوم تجد أسر شلة بورتسودان الحاكمة تتمتع بأموال الشعب في المدن العالمية الغنية آمنين ، وخوفاً من شر السموم التي أفسدت الخرطوم يمضي البرهان في إنشاء عاصمة إدارية جديدة بعيدًا عن المناطق المتأثرة بالأسلحة الكيميائية، في تناقض واضح مع القيم الإنسانية. كما تكشف الحملة المنظمة لإعادة اللاجئين السودانيين من دولة مصر إلى مدينة الخرطوم الملوّثة عن براغماتية قاسية تدفع الأبرياء إلى الهلاك مقابل مكاسب سياسية، إن المسؤولية الأخلاقية والقانونية للمجتمع الدولي تتطلّب موقفًا حازمًا لوقف هذه الحملات وحماية اللاجئين السودانيين من المطاردات والاعتقالات في مصر وينبغي على مفوضية اللاجئين أن تحمي اللاجئين السودانيين من كل ما يمس كرامتهم الإنسانية ماداموا يحملون هويتها. ويجب على منظمة (حظر الأسلحة الكيميائية ) إجراء تحقيق بقرار من مجلس الأمن، حتى في حال عدم طلب دولة عضو، وذلك لتمكين المواطنين من اتخاذ قراراتهم بشأن العودة الطوعية على أساس حقائق موثوقة.
غياب المساءلة الدولية
وفقًا لمكتب نزع السلاح التابع للأمم المتحدة، تسببت الأسلحة الكيميائية منذ الحرب العالمية الأولى في مقتل نحو 100 ألف شخص وإصابة أكثر من مليون آخرين. هذا أدّى إلى بروتوكول جنيف (1925) الذي حظر استخدامها في الحروب، رغم قصوره لعدم منعه تطوير أو تخزين هذه الأسلحة.خلال الحرب العالمية الأولى، استخدم الألمان غاز الكلور لأول مرة عام 1915 قرب مدينة إبرس في بلجيكا، ما أدى إلى مقتل خمسة آلاف جندي وإصابة الآلاف الآخرين. تلت ذلك هجمات بغازات أخرى مثل الخردل والفوسجين. واستُخدمت الغازات السامة لاحقًا في الحرب العالمية الثانية داخل معسكرات الاعتقال النازية، كما استخدمتها اليابان ضد الصين في الثلاثينيات، وإيطاليا ضد إثيوبيا (1935–1936). في العقود الأخيرة، شهد العالم هجمات بارزة مثل فيتنام فكان استخدام “العامل البرتقالي” من قبل الولايات المتحدة، وما خلفه من أضرار صحية وبيئية. في الحرب الإيرانية العراقية (1980–1988)حيث قُصفت مدينة حلبجة بالغازات السامة في العام 1988.شهدت الحرب السورية هجمات متكررة بالكلور والسارين منذ 2013. في حرب اليمن خلال الستينيات. هذه التجارب المروعة دفعت المجتمع الدولي لاعتماد بروتوكول جنيف 1925التي حرمت استخدام الغازات السامة والبيولوجية، تم اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (1993) التي حرّمت تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام هذه الأسلحة، ودخلت حيز التنفيذ عام 1997، تشرف على تنفيذها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وصادقت عليها أكثر من 190 دولة.ورغم هذه الجهود، فإن تاريخ الانتهاكات من العراق وسوريا وغيرها يثبت أن غياب المساءلة الدولية يجعل بروتوكولات الحظر محدودة الفاعلية.
الذاكرة الحاضرة
خلال تجارب الدول التي تعرضت لاستخدام الأسلحة الكيميائية، ظهرت مخاطر وآثار متعددة الأبعاد على الإنسان والحيوان والبيئة. فالقضية لا تنتهي بمجرد الكشف عن الاستخدام، بل تستدعي حلولًا علمية للتقليل من أضرارها، التي تمثلت في انتشار الأمراض في الخرطوم، ونفوق الحيوانات، وتغير لون التربة في بعض المناطق.هذا الانتهاك الصريح للقانون الإنساني الدولي يتطلب مواقف حازمة من الأمم المتحدة وعقوبات رادعة تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية. فالإنسان السوداني ظل يدفع ثمن سياسات الطغيان والحروب التي لا شأن له بها، حيث حُرم من أبسط حقوقه في الحياة والصحة والبيئة النظيفة.حملات التوعية بمخاطر الأسلحة الكيميائية ساعدت في رفع الوعي، وجعلت الكثيرين يعزفون عن العودة إلى الخرطوم خوفًا من آثارها السامة. بعض المدنيين أصيبوا بالصدمة لما سمعوه عن العاصمة التي تحولت إلى أرض للموت، بينما لم يتفاجأ آخرون لأن ذاكرتهم لم تنسِ استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية في دارفور وجبال النوبة، بحسب تقارير منظمات حقوقية دولية.
الأسلحة الكيميائية.. القوة القاتلة السرية
تشير تقارير تاريخية إلى أن الجيش السوداني استخدم الأسلحة الكيميائية بين عامي 2003 و2016 في منطقة جبل مرة بدارفور، حيث وثّقت منظمة( العفو الدولية) وفاة ما بين 200 و250 شخصًا معظمهم أطفال، مع ظهور أعراض التسمم بالغازات السامة. كما أوردت تقارير (هيومن رايتس ووتش) وناشطين محليين استخدام هذه الأسلحة في جبال النوبة خلال التسعينيات، وكذلك في حرب جنوب السودان. 20 يناير 2018، نظم سودانيون في الولايات المتحدة تظاهرة كبرى أمام مقر الأمم المتحدة بنيويورك، مطالبين بمساءلة حكومة عمر البشير حول استهداف المدنيين بالأسلحة الكيميائية في دارفور وجبال النوبة. ورغم نشر وسائل الإعلام صورًا لضحايا الهجمات، نفت الحكومة السودانية تورطها ووصفتها بأنها “مزاعم لا أساس لها”. أما منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) فأكدت أنها على علم بالتقارير لكنها لا تستطيع فتح تحقيق مستقل إلا بطلب من دولة عضو أو من مجلس الأمن. سعيد التاريخ نفسه ويبث أن البرهان ينفث سمه على المدنيين ويستخدم الأسلحة السامة في حرب 15 أبريل من أجل السلطة بعد أن فشلت قواته في هزيمة الدعم السريع ميدانياً فلجأ إلى القوة القاتلة و السرية وسبق وأن لوح باستخدامها الفريق البرهان والفريق ياسرالعطا.
سياسة الإنكار
في مايو 2025، أعلنت الولايات المتحدة أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية عام 2024، معتبرة ذلك خرقًا لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية (CWC)، وفرضت عقوبات تشمل قيودًا على الصادرات. وفي يوليو 2025، ناقش المجلس التنفيذي لمنظمة OPCW في لاهاي هذه المزاعم بعد مطالبة عدة دول بتوضيحات، بينما واصلت حكومة بورتسودان إنكارها وأكدت التزامها بالمعاهدة، معلنة تأسيس لجنة وطنية للتحقيق. لكن العقوبات الأمريكية أعادت طرح الأسئلة وسط الشارع السوداني لماذا انتشرت الأمراض الغريبة في السودان؟ ولماذا انسحبت قوات الدعم السريع بشكل مفاجئ من ولايتي سنار والخرطوم؟. التقارير الأمريكية أوضحت أن الجيش السوداني استخدم عدة أنواع من الأسلحة الكيميائية، من بينها غاز الكلور، ضد قوات الدعم السريع في جبل موية بولاية سنار، وفي منطقة الجيلي قرب مصفاة البترول، ما أدى إلى وفاة عدد من العاملين بالمصفاة بسبب الاختناق، وأجبر قوات الدعم السريع على الانسحاب. كما استُخدمت الأسلحة الكيميائية في أم درمان (قرب الإذاعة والتلفزيون، شرق مقابر أحمد شرفي، الصالحة، وجزء من جبل أولياء)، وكذلك في وسط الخرطوم (مقرات الوزارات، القصر الجمهوري، جامعة الخرطوم، ومطار الخرطوم)
المواطنون في بؤرة الهلاك
لم يمنح قائد الجيش، كعادة الطغاة، الإنسان السوداني حقه، ولم يسعِ لإجراء مسح أو تقييم علمي يوضح مخاطر السموم التي نشرها بلا رحمة، رغم معرفته أنها تضع مواطني الخرطوم وجبل موية بولاية سنار في دائرة الهلاك. كل ما يهم البرهان و الإسلاميين هو إعادة المدنيين إلى الخرطوم لتحقيق أجندة سياسية تهدف إلى إظهار أنهم استعادوا “شرعية” الدولة ومؤسساتها الغائبة منذ 25 أكتوبر 2021م. يعتقد البرهان واهمًا أن عودة المواطنين خطوة أساسية لاستئناف العملية السياسية وإجراء انتخابات دون تدخل خارجي، ويرى أن عودة الحكومة إلى العاصمة تعزز من صورتها كسلطة شرعية وتعيد للخرطوم مكانتها كمركز القرار الوطني، خاصة بعد تشكيل “حكومة تأسيس”. كما يسعى لترويج صورة زائفة عن عودة الأمن والسلام إلى الخرطوم، بينما يستغل الشباب السودانيين في حملات الاستنفار والتجنيد القسري، وغالبًا باستخدام سلاح التخوين. ورغم تحذيرات المنظمات الحقوقية من أن الخرطوم لم تعد صالحة للعيش بسبب آثار الأسلحة الكيميائية التي استخدمتها حكومة بورتسودان وحلفاؤها، لا يزال البرهان يمارس طغيانه متمسكًا بالسلطة في محاولة فاشلة لتقديم نفسه كقائد عظيم أو منقذ للشعب، بينما الحقيقة أنه يحضر مراسم صامتة لموتهم بسبب أمراض مزمنة مثل سرطان الرئة، الأمراض الجلدية، والاضطرابات النفسية. الحرب الكيميائية خُصصت لتكون غير مرئية؛ فلا يمكن رؤيتها أو شمّها، لكنها سامة بما يكفي لإلحاق الأذى قبل أن يُدرك المصاب تعرضه لها. كما أن كثيرًا من هذه الغازات أثقل من الهواء، فتستقر في الطوابق السفلية والخنادق، لتصيب الجنود أو تعيقهم، فيما تظل بعض المواد فعالة لفترات طويلة، فتلوث الأجسام والملابس والشعر، وتؤذي من يحاول إنقاذ المصابين، بما في ذلك الطواقم الطبية.
الأسلحة الكيميائية لا تجلب نصرًا
لقد سعت المعاهدات الدولية للحد من هذه الجرائم؛ مثل بروتوكول جنيف لعام 1925 الذي حظر استخدام الغازات السامة والخانقة والبيولوجية في الحروب، لكنه لم يمنع تطويرها أو تخزينها، فظل محدود الفاعلية. ثم جاءت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) عام 1993، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 1997، لتحظر تطوير هذه الأسلحة أو إنتاجها أو تخزينها أو استخدامها، وتشرف على تنفيذها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وقد صادقت عليها أكثر من 190 .
تاريخ الأسلحة الكيميائية يثبت أنها لا تجلب نصرًا، بل وصمة عار أخلاقية، ومعاناة طويلة للشعوب. وإذا كان السودان يريد مستقبلًا يسوده السلام والتنمية، فعليه أن يبتعد عن هذه الأسلحة المحرمة، وأن يلتزم بالقانون الدولي، وعلى المجتمع الدولي أن يقوم بدوره في التحقيق والمساءلة والعقاب.




