رأي

نيالا البحير.. من رماد الحرب إلى فجر التأسيس

نجم الدين دريسة

عامان كاملان عاشتهما مدينة نيالا وهي تحاول حماية أرواح أهلها من جحيم الطيران الحربي لمليشيات الجيش الإسلاموي البغيض وسلاح الجو المصري. كانت السماء تمطر موتًا على الشباب والنساء والأطفال والشيوخ، فيما تتهدم المنازل وتُدمّر البنية التحتية ومرافق الخدمات العامة. تلك المشاهد المأساوية حفرت عميقًا في ذاكرة إنسان المدينة، وجعلت من نيالا رمزًا للصمود في وجه الظلم والتجبر.
لقد أرادوا للمدينة أن تنهار تحت القصف بذريعة أنها “حاضنة لقوات الدعم السريع”، لكن نيالا واجهت المحنة وتحمّلت كل الظروف القاسية، وكأنها كانت تتهيأ لمرحلة جديدة تنتقل بها من ركام الحرب إلى فضاء السلام والتأسيس.
اليوم، تبدو نيالا مدينة مذهلة وقد استعادت نبض الحياة من جديد، مفعمة بالإصرار على العبور والانتصار. صحيح أن ندوب الحرب ما زالت بارزة على المباني، لكن ما يدهش هو طاقة الأمل التي تشع من شوارعها واتساع صدرها لاستقبال حكومة التأسيس. لقد تحولت المدينة إلى ساحة جماهيرية مفتوحة، تفيض بالمواكب الهادرة التي تجوب أحياءها من أقصاها إلى أدناها، معلنة ميلاد عهد جديد.

المشهد الذي جمع رئيس المجلس الرئاسي برفقة نائبه القائد عبد العزيز الحلو وسط الحشود الشعبية لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل كان إعلانًا رمزيًا أن مشروع النضال الطويل ضد الدولة المركزية يمضي إلى الأمام، وأن الشعوب هي صاحبة الكلمة العليا في تقرير مصيرها. فالقائد الحقيقي هو الذي ينزل إلى الميدان ويلتحم بجماهيره، وهذا ما جسده حضور القادة وسط الناس.
أما ظهور القائد محمد حمدان دقلو، فقد شكّل لحظة فارقة نسفت الكثير من السرديات المضلّلة التي روجتها قوى الردة وأبواق الدعاية السوداء. قنوات مثل “الجزيرة” التي احترفت صناعة الأكاذيب وتزييف الوعي لصالح جماعات الهوس الديني، وجدت نفسها مكشوفة أمام الجماهير. إن حضور قائد التحرر الوطني على أرض نيالا فضح تلك المنصات وأكد سقوط ادعاءاتها عن المهنية والموضوعية.

وإذا نظرنا إلى تجارب الأمم، فإن ما يحدث في نيالا اليوم لا يبتعد كثيرًا عن قصص مدن كبرى نهضت من تحت الأنقاض لتصبح مراكز إشعاع للتغيير. فبرلين، التي تحولت إلى أطلال بعد الحرب العالمية الثانية، نهضت لتصبح قلب أوروبا الموحدة. وبيروت، رغم جراحها الطويلة، عادت مرارًا لتكون عاصمة للثقافة والتجديد في المشرق. وجوبا، التي خرجت من رماد الحرب الأهلية السودانية، استطاعت أن تصبح رمزًا لبدايات الدولة الجديدة، رغم التحديات. وفي أفريقيا أيضًا، نجد كيغالي التي تحولت بعد إبادة 1994 من مدينة للموت إلى واحدة من أنجح التجارب التنموية في القارة.
نيالا اليوم تسير على خطى تلك المدن، فهي لا تكتفي بالصمود فحسب، بل تعلن أنها نقطة الانطلاق لمشروع السودان الجديد. من قلب البحير، يولد أفق آخر يضع السودان على سكة التحرر، حيث تُصاغ معالم دولة تتسع لكل أبنائها، وتتحرر من قيود المركزية وهيمنة الطغمة القديمة.
هكذا، تؤكد عاصمة التأسيس أنها قادرة على المضي قدماً في رسم مستقبل السودان، وأن فجر الأمل الذي تنتظره الشعوب السودانية سيشرق من هنا. من نيالا البحير، ينبثق مشروع التغيير والتحرير، لتصبح بحق “كيغالي السودان العريض” وعاصمة السودان الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!