كمبالا وإعادة التموضع الإفريقي: السودان نحو شراكات إقليمية جديدة
دكتور حذيفة ابو نوبة .. رئيس المركز الافريقي للديمقراطية والتنمية

دكتور حذيفة أبونوبة
رئيس المركز الإفريقي للديمقراطية والتنمية
يحمل ظهور الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي، في العاصمة الأوغندية كمبالا، أبعاداً سياسية تتجاوز إطار الزيارة الرسمية وبروتوكولاتها المعتادة. فالتحرك نحو العواصم الإفريقية في هذا التوقيت يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية العمق الإفريقي في إعادة صياغة موقع السودان الإقليمي، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القرن الإفريقي وشرق القارة.
السودان، بحكم الجغرافيا والتاريخ، ليس دولة هامشية في المعادلة الإفريقية، بل يمثل نقطة تماس بين شمال القارة وشرقها ووسطها. ومن هنا، فإن الانفتاح على كمبالا يحمل رسالة مفادها أن إعادة بناء الدور السوداني تبدأ من محيطه الطبيعي. فالتواصل المباشر مع الفاعلين السياسيين في شرق ووسط إفريقيا يفتح مسارات لتنسيق المواقف حول ملفات الأمن الإقليمي، والهجرة، والتجارة البينية، ومكافحة الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
الزيارة تكتسب أهمية إضافية في سياق البحث عن توازنات جديدة داخل الإقليم. فالقرن الإفريقي يعيش حالة سيولة سياسية وأمنية، مع تنافس دولي وإقليمي متزايد على النفوذ. وفي مثل هذا المناخ، يصبح التموضع الذكي ضرورة استراتيجية، لا خياراً دبلوماسياً. إن بناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة، لا الاصطفافات الظرفية، يتيح للسودان أن يتحول من ساحة تنافس إلى شريك فاعل في صياغة ترتيبات الاستقرار.
ومن زاوية رمزية، فإن الظهور بزي إفريقي خلال الزيارة يحمل رسالة ثقافية وسياسية في آن واحد. فهو تأكيد على الانتماء الجغرافي والحضاري، وإعادة وصل ما انقطع بين الخطاب الرسمي السوداني وعمقه الإفريقي. هذه الإشارة الرمزية تعزز خطاب الشراكة مع شعوب القارة، وتؤسس لرواية جديدة قوامها التكامل لا العزلة، والانفتاح لا الانكفاء.
كما تضع الزيارة الدبلوماسية السودانية في حكومة السلام أمام فرصة لإعادة تعريف أولوياتها الخارجية. فإفريقيا ليست مجرد امتداد جغرافي، بل فضاء اقتصادي واعد، خاصة في ظل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. ومن شأن تعزيز التعاون مع دول مثل أوغندا أن يفتح آفاقاً للاستثمار الزراعي، وتبادل الخبرات في إدارة الموارد، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود.
غير أن نجاح هذا المسار يظل رهيناً بتحويل الرمزية إلى سياسات عملية. فالتحدي لا يكمن في الزيارة ذاتها، بل في قدرتها على إرساء شراكات مستدامة تُترجم إلى اتفاقيات ملموسة، وبرامج تعاون، وتنسيق أمني واقتصادي طويل الأمد.
في المحصلة، يشير مشهد كمبالا إلى محاولة واعية لإعادة إدماج السودان في معادلات القارة من موقع الشريك لا المتلقي. وإذا ما أُحسن استثمار هذا التوجه، فقد يشكل بداية لمرحلة جديدة تُعيد للسودان حضوره داخل إفريقيا، وتمنحه دوراً فاعلاً في صناعة توازنات إقليمية أكثر استقراراً وعدلاً.




