خطاب التعايشي: لحظة مفصلية وبشارة الدولة الجديدة

بقلم؛ نجم الدين دريسة
لكم أن تتصوروا حجم الدقة والشمول والعمق الذي تميز به خطاب رئيس وزراء حكومة التأسيس والوحدة والسلام، الأستاذ محمد حسن عثمان التعايشي، ذلك الخطاب الذي يمكن أن يُصنَّف بحق كـ خطاب تاريخي بامتياز، لأنه لم يكتفِ بملامسة سطح الأزمة، بل ذهب مباشرة إلى جذورها، محللًا الماضي ومقيِّمًا الحاضر وموجِّهاً البوصلة نحو المستقبل. لقد كان بمثابة تلخيص بديع لمسار الدولة السودانية ورسالة بالغة التأثير في وجدان كل من استمع إليها.
كالعادة، قدّم التعايشي خطاباً متين البناء عميق المعنى، ترك أثراً بالغاً في النفوس، وجعل من لحظة إلقائه محطة فاصلة في تاريخ الشعوب السودانية. فقد أكد بوضوح أن مشروع الدولة المتوافق عليها في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، القائم على مشاركة طيف واسع من القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، هو مشروع دولة ديمقراطية علمانية فدرالية، تقوم على مبدأ المواطنة كقاعدة للحقوق والواجبات، وترتكز على الميثاق السياسي والدستور الانتقالي لعام 2025م.
جوهر الخطاب تمثل في التعهد بإنهاء إرث التهميش والظلم التاريخي الذي لازم الدولة منذ ما بعد الاستعمار. وقد شدد التعايشي على أن العدالة الانتقالية – التاريخية والترميمية – هي الطريق الوحيد لبناء دولة راسخة، فلا مستقبل يُشيَّد فوق ركام الانتهاكات والفظائع. ومن هنا، جاء التزام الحكومة بآليات الحقيقة والمصالحة، وتحقيق العدالة للضحايا، ومحاكمة الجناة، وسن تشريعات تجرّم خطاب الكراهية والعنصرية، وتؤسس للتعايش السلمي، بما يمهّد لبناء الدولة الحلم.
ومن أبرز ملامح الخطاب أيضاً، الدعوة إلى توظيف موارد السودان الهائلة لصالح شعوبه. فبلد يفيض بالخيرات ظلّ أسيراً لما سُمّي بـ”لعنة الموارد” نتيجة سوء الإدارة، وانحياز الأنظمة المركزية والنخبوية لمصالح خارجية، خصوصاً الارتهان للتدخل المصري في نهب مقدرات البلاد. لقد عبّر التعايشي عن قناعة راسخة بأن الاعتماد على الموارد الذاتية وإدارتها بعقلانية هو حجر الزاوية لإنجاح مشروع “تأسيس”، مستشهداً بالحكمة الخالدة: ما حك جلدك مثل ظفرك.
لقد أشاع الخطاب روح التفاؤل والأمل في نفوس السودانيين، وأعاد إليهم الثقة في إمكانية بناء مستقبل أفضل. ولعل مقولة الفيلسوف كانط في أطروحته “السلام الدائم” تحضر هنا بجلاء: المتفائلون هم من يوقنون أن النزاعات قابلة للحل بالحوار بين عقلاء يدركون مصالح وتطلعات شعوبهم. وهذا بالضبط ما تجلّى في نبرة التعايشي ولغة خطابه.
لكن ما كان لافتاً حقاً، ليس مضمون الخطاب وحده، بل الانتشار الواسع والتفاعل الجماهيري الكبير معه. فقد اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي بسرعة قياسية، وحظي بترحيب غير مسبوق، لأنه ببساطة كان أول خطاب في تاريخ السودان يُخاطب قضايا الشعوب السودانية بصدق وشفافية، ويلامس أشواقها وآمالها العميقة.
إن خطاب التعايشي لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل إعلان ميلاد مرحلة جديدة، ورسالة أمل بأن السودان، بعد عقود من الأوجاع والانكسارات، قادر على أن ينهض من بين الركام ليبني دولته المنشودة.




