رأي

حميدتي.. صوت الحقيقة في زمن الخداع

إيمان التجاني

إيمان التجاني 

في خطابه الأخير، وضع الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) النقاط على الحروف، وكشف بجرأة ووضوح ما ظل يُدار في الظلام ضد الشعب السوداني وضد قواته التي انحازت إلى صف الثورة والحرية. كان حديثه أشبه بقراءة في كتابٍ مفتوح لسنواتٍ من التآمر والإعداد المحكم، الذي انتهى بإشعال حربٍ كان الهدف منها القضاء على قوات الدعم السريع في أقل من أربع ساعات.

لكن ما لم يدركه مدبّرو المؤامرة، هو أن هذه القوة التي أرادوا سحقها، لم تنشأ على الولاء الأعمى، بل على إيمانٍ عميق بعدالة قضية الشعب السوداني. فمنذ لحظة انحيازها للثورة الشعبية، ظلت قوات الدعم السريع تتحمل عبء الهجوم الإعلامي والسياسي من منظومةٍ عسكرية اختطفت الجيش السوداني لعقود طويلة وجعلت منه أداةً بيد الحركة الإسلامية السياسية، التي لا ترى في الوطن سوى غنيمةٍ ووسيلةٍ لاستمرار نفوذها.

أربعة أعوامٍ كاملة، كانت الحركة الإسلامية تُعِدّ لهذه اللحظة، تزرع ضباطها في مفاصل القيادة، وتنسج خيوط المؤامرة بعناية، حتى جاءت الساعة التي قررت فيها الانقضاض على الدعم السريع لا لشيء سوى لأنها وقّعت على الاتفاق الإطاري، ووقفت بوضوح إلى جانب التحول المدني وبناء دولة جديدة تُنهي دولة 1956 القديمة، تلك الدولة التي تأسست على الإقصاء والهيمنة والتمييز.

حميدتي، في خطابه، لم يكن ينتصر لنفسه بقدر ما كان ينتصر لفكرة السودان الجديد، السودان الذي لا تسيّره الأيديولوجيا ولا تتحكم فيه الطائفية ولا يُدار بعقلية الغنيمة.

لقد تحدث بصدقٍ عن جوهر الصراع: معركة بين مشروعين، أحدهما يسعى لتجديد دولة المواطنة والعدالة، والآخر يتمسك بدولة الامتيازات القديمة التي حوّلت الجيش إلى حارسٍ لمصالح قلةٍ تحت عباءة الدين.

ومن هنا جاء الخطاب أكثر من كونه تصريحاً سياسياً؛ كان إعلاناً لإرادةٍ وطنية جديدة، تؤمن بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على رماد الدولة القديمة، ولا على أكاذيب الجنرالات الذين باعوا شرف الجندية في أسواق السياسة.

إنّ ما واجهته قوات الدعم السريع لم يكن مجرد هجومٍ عسكري، بل محاولةً لاغتيال الثورة نفسها، لكنّها صمدت، وأثبتت أن مشروع التأسيس لا يموت بالرصاص، بل يزداد رسوخاً بالحقائق التي تكشف كل يوم من كان يحكم ومن كان يخون.

لقد تحوّل خطاب حميدتي إلى وثيقة سياسية وتاريخية تؤكد أن السودان يسير نحو ميلادٍ جديد، وأن زمن الخداع والشعارات الجوفاء قد انتهى.

وفي هذا الميلاد، لن يكون للمؤامرات مكان، ولا للبرهان ومن معه إلا ذكرى في سجل الخيانة الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!