
بقلم: عباس أحمد السخي
لم يكن تحرير مدينة الفاشر حدثاً عادياً في مجرى الصراع السوداني الراهن، بل يمثل تحوّلاً استراتيجياً كبيراً في مسار العمليات العسكرية وتوازن القوى داخل البلاد. فالمدينة، التي تُعد العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، ظلت منذ اندلاع الحرب مركزاً ثقيلاً للسلطة العسكرية والسياسية، وميداناً لتقاطع المصالح بين القوات النظامية والحركات المسلحة ذات الطابع العرقي والمناطقي.
اليوم، ومع دخول قوات الدعم السريع إلى فرقتها العسكرية، يتغير المشهد العسكري والسياسي في السودان على نحوٍ جذري، يحمل في طيّاته آثاراً تتجاوز حدود الإقليم لتطال مستقبل الحرب والسلام على السواء.
أولاً: ضربة معنوية لقوات البرهان وحركات الارتزاق المسلح وحلفاؤهم
يأتي تحرير الفاشر في لحظةٍ دقيقة كانت فيها قوات البرهان وحلفاؤها من الحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا يحاولون إظهار تماسكهم الميداني واستعادة زمام المبادرة. لكن سقوط المدينة بهذه الاستماتة والدقة والبسالة، بعد شهور من الحصار والتطويق، شكّل ضربةً قاسية للروح المعنوية لتلك القوات.
فالفاشر كانت تُعتبر إحدى القلاع التي تراهن عليها القيادة العامة باعتبارها “نقطة التوازن” في دارفور، وخط الدفاع الاستراتيجي الأول عن شمال كردفان والأبيض. ومع فقدانها، اهتزت الصورة الذهنية التي حاول البرهان ترسيخها بأن الجيش لا يزال قادراً على الاحتفاظ بعواصم الولايات الكبرى.
كما أن الحركات المسلحة التي ارتبطت بالمؤسسة العسكرية تحت شعارات “التحالف الوطني” أو “التصدي للمتمردين” وجدت نفسها في موقفٍ حرج، إذ بدت عاجزة عن حماية مناطق نفوذها، ما عمّق الشكوك وسط قواعدها حول جدوى استمرار القتال إلى جانب سلطةٍ فقدت السيطرة الميدانية والسياسية في آنٍ واحد.
ثانياً: السيطرة على طريق الصادرات القومي
يكتسب تحرير الفاشر بعداً إضافياً حين يُقرأ مع تحرير مدينة بارا القريبة من الأبيض، والتي تمكّن عبرها الدعم السريع من السيطرة على طريق الصادرات القومي الذي يربط دارفور وكردفان بالمركز. هذا التطور لا يعني فقط توسيع الرقعة الجغرافية التي تخضع لقوات الدعم السريع، بل يُحدث تحوّلاً اقتصادياً استراتيجياً.
فالطريق الذي يمر عبر بارا يُعد شرياناً حيوياً لنقل الصادرات والواردات، ولا سيما النفط والذهب والماشية والمنتجات الزراعية، ومن ثم فإن السيطرة عليه تضع مدناً رئيسية مثل الأبيض وكوستي وحتى أم درمان في مهب الريح. كما إن فقدان الحكومة لهذا الطريق يعني أنها فقدت فعلياً آخر ممرّ آمن يربط وسط البلاد بغربها، ما يترك العاصمة تحت ضغطٍ اقتصادي ومعنوي متزايد، ويقوّض قدرتها على تمويل وإدارة الحرب في المدى المتوسط.
ثالثاً: تأثيرات مباشرة على مفاوضات واشنطن
يتزامن تحرير الفاشر مع جولة المفاوضات الجارية في واشنطن بين الأطراف السودانية، وهي مفاوضات تسعى الإدارة الأمريكية من خلالها إلى إحداث اختراقٍ سياسي يُنهي الحرب أو يجمّدها مؤقتاً. لكنّ دخول الدعم السريع إلى الفاشر أعاد خلط الأوراق، إذ منح وفده المفاوض نَفَساً جديداً وثقةً ميدانية تعزّز موقفه السياسي. فالقوة التي تتوسع في الأرض وتفرض واقعاً جديداً لا تتفاوض من موقع الضعف، بل من موقع الندية وربما التفوق.
هذا التحول الميداني سيجعل من الصعب على أي وساطة إقناع قيادة الدعم السريع بوقف العمليات العسكرية أو الدخول في تسوياتٍ مجحفة. فالمعادلة الآن تميل لصالحها، والواقع على الأرض بات يدعم خطابها بأنها تمثل “القوة الفاعلة” القادرة على إعادة تشكيل الدولة من منظورٍ جديد.
رابعاً: السيطرة على الحدود الإقليمية
من الزاوية الجيوسياسية، يمثل تحرير الفاشر مفتاح السيطرة على الحدود الغربية للسودان. فمع هذا التطور، أصبحت أغلب حدود البلاد مع ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان تحت هيمنة الدعم السريع، بل إن أجزاءً من المثلث الحدودي مع مصر باتت كذلك تحت رحمة قواته.
هذه السيطرة تمنح الدعم السريع ميزة استراتيجية كبرى، إذ تتيح له التحكم في طرق الإمداد والتجارة غير الرسمية، وتوسيع شبكاته اللوجستية عبر الحدود، فضلاً عن تعزيز التواصل مع الحلفاء في الإقليم. كما أنها تحرم خصومه من إمكانية استجلاب دعمٍ مادي أو عسكري عبر المعابر الغربية، ما يزيد من عزل القوات الحكومية في الداخل.
بعبارة أخرى، لم يعد الدعم السريع مجرد قوة داخلية متمركزة في مناطق صحراوية، بل أصبح لاعباً حدودياً يملك القدرة على التأثير في العلاقات السودانية – الإفريقية، وعلى التحكم في ممراتٍ تمثل رئة اقتصادية وأمنية حيوية للبلاد.
خامساً: تحوّل في ميزان الحرب واتجاهاتها
تحرير الفاشر لا يعني فقط السيطرة على مدينة، بل يُجسّد انتقال الحرب إلى مرحلةٍ جديدة، يكون فيها الدعم السريع في موقع الهجوم الإستراتيجي لا الدفاع. فبعد أن كانت قواته تكتفي بالمناوشات في الأطراف، أصبحت اليوم تقترب أكثر فأكثر من المراكز الكبرى في الغرب والوسط، ما يُنذر بتغيرٍ شامل في بنية السيطرة داخل السودان. ومع كل تقدم ميداني، يتراجع نفوذ السلطة المركزية ويتزايد نفوذ الميدان، في مشهد يعكس انهيار الدولة القديمة وبروز ملامح واقعٍ جديد تُرسم حدوده بالبندقية قبل السياسة.
ختاماً: ما بعد الفاشر
إن تحرير الفاشر لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل هو إعلانٌ عن مرحلةٍ جديدة من الصراع، تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة، والميدان بالمفاوضات، والإقليم بالداخل. لقد أعاد هذا الحدث ترتيب الأوراق في كل المستويات: السياسية والعسكرية والإقليمية. وإذا لم تواكب الأطراف الأخرى هذا التحول بعقلانية وواقعية، فقد نجد أنفسنا أمام خريطة سودانية جديدة تُرسم الآن في صمت، وسط غبار الحرب وصدى المدافع.
لقد أصبحت الفاشر عنواناً لواقعٍ جديد لا يمكن تجاهله — واقعٍ يقول إن السودان يدخل مرحلة إعادة تشكّل، حيث لم يعد من يملك القرار السياسي هو من يجلس في الخرطوم، بل من يملك الأرض والسلاح والقدرة على فرض إيقاعه على الآخرين.



