
نجم الدين دريسة
ليس سهلاً تناول تجربة فكرية ظلت لعقود محفوفة بسحب كثيفة من الالتباس، ومحاطة بخوفٍ اجتماعي وصراعٍ سياسي واتهامات متعجلة. ومع ذلك، فإن إعادة قراءة فكر الأستاذ محمود محمد طه اليوم تبدو ضرورة فكرية وأخلاقية، خاصة بعد أن تبيّن أن الكثير من الجدل الذي دار حوله كان أقرب إلى الضوضاء منه إلى النقد، وإلى رد الفعل لا الفعل، وإلى الخرافة أكثر من الفكر. لقد آن أوان النظر إلى تجربته بعيدًا عن الضباب، وفهمها باعتبارها مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا ووطنيًا ينهض على رؤية خاصة تربط بين العقل والعرفان دون أن تتفكك هوية أحدهما أو يبتلع الآخر.
كان محمود، في جوهره، صاحب تجربة وجودية أكثر منه صاحب أطروحة نظرية. نشأ مشروعه الجمهوري من انشغال عميق بأسئلة المعنى، ومن بحثٍ لا يهدأ في موقع الإنسان بين السماء والأرض. لم يكن هدفه أن يضيف كتابًا إلى رفوف المكتبات، بل أن يفتح نافذة جديدة على الروح، من خلال فهم يحرر النصوص من أسر التقليد، ويعيدها إلى فضائها الإنساني الرحب… «أعظم الشجاعة أن تفكّر بنفسك»، وهي روح تجلت في كل ما قاله وكتبه، وعلى رأسها دعوته لإعادة قراءة القرآن بمنهج يراعي تطور الوعي البشري.
لقد رأى محمود أن العالم الإسلامي يعيش أزمة تخلف مركبة، لا يكفي فيها التشخيص السياسي أو الاقتصادي وحده، لأنها في جذورها أزمة فهم ديني. فالتشبث بالمرويات القديمة، والانغلاق حول التفسير الحرفي، والميل إلى القداسة غير المستحقة، كلها صنعت بيئة خانقة عطلت حرية الإنسان، وحجبت إشراقات الرسالة التي جاءت لترفع من كرامته. وبهذا المعنى كان محمود ينبه إلى حقيقة موجعة مفادها أن «المعرفة التي لا تغيرك ليست معرفة». ولذلك سعى إلى إصلاح لا يستهدف القشور، بل يعيد منهجية الفهم الديني إلى مقاصده الأولى: الحرية، العدالة، والمساواة.
في نظره، لم يكن الدين أداة للسيطرة، ولم يكن النص معولاً لتثبيت الاستبداد كما فعلت السلطات المتعاقبة في تاريخ المنطقة. كان يرى أن إعادة تجديد الخطاب الديني ليست معركة فقهية فحسب، بل معركة كرامة إنسانية، لأن التخلف في مجال الحريات وحقوق الإنسان والتنمية ليس إلا ثمرة مباشرة لسوء فهمٍ طال زمنه. ومن هنا جاءت دعوته إلى تقديم صيغ جديدة للتنوير تنبع من روح التصوف، دون أن تتخلى عن أدوات العقل أو قراءة العصر. فقد جمع بين يقظة الفكر وعمق العرفان جمعًا جعل كثيرين يشعرون –ولو لم يعترفوا– أن ثمة شيئًا نادرًا في طريقته، شيئًا يذكّر بحكمة تقول: «القلوب الكبيرة هي التي ترى ما لا تراه العيون».
لقد دفع محمود ثمنًا باهظًا لشجاعته الفكرية. واجه السلطة والمجتمع معًا في لحظة لم يكن فيها المناخ يسمح بأي صوت مخالف، ومع ذلك لم يتراجع، ولم يساوم، ولم يخفِ ما يؤمن به. كان يدرك أن الإصلاح الديني معركة طويلة، وأن التطور الإنساني سنّة لا يمكن تعطيلها إلى الأبد، وأن الأفكار الحية لا تُهزم حتى لو هُزم أصحابها. وقد بقيت تجربته، رغم كل ما حاق بها، مصدر إلهام لكل من يعتقد أن المستقبل لا يبنى بالخوف، وأن تحرير العقول مقدمة لتحرير الأوطان.
اليوم، تبدو الحاجة إلى فكر محمود أشد من أي وقت مضى. فالعالم الإسلامي يواجه تحديات جديدة، تتطلب وعيًا نقديًا ورؤية تتجاوز الأطر الضيقة وتعيد الدين إلى وظيفته الأخلاقية الأولى. ولا يمكن التعامل مع إرثه إلا باعتباره دعوة مفتوحة لاكتشاف إمكانات أوسع للحرية والإنسانية، وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والفرد، وبين الإيمان وحقوق الإنسان، وبين الوعي الحديث وتراث الإسلام العميق.
إن قراءة محمود محمد طه ليست قراءة في الماضي، بل في المستقبل. مستقبلٍ يطلب منا يقظة فكرية جديدة وشجاعة تليق بهذا الزمن، لأن الأمم –كما قال أهل الحكمة– «لا تتقدم إلا حين تجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة». وتجربة محمود واحدة من تلك الأسئلة التي لا تزال معلّقة، بانتظار من يملك الشجاعة والصفاء ليعيد فتحها من جديد.




