رأي

حين تتحدث القاهرة عن سيادة السودان… مفارقة الخطاب ووقائع الهيمنة

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ بغير الوعي والكرامة

في اللقاء الذي جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بنظيره الروسي سيرجي لافروف في موسكو، عادت القاهرة لتُجدّد خطابها التقليدي حول “دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه”، ورفض ما تسميه “الكيانات الموازية”. غير أن هذا الخطاب، على تكراره، لم يعد يقنع كثيراً من السودانيين الذين باتوا ينظرون إليه باعتباره امتداداً لرؤية سياسية قديمة، تُغلّف المصالح بلغة دبلوماسية ناعمة، بينما تُبقي على جوهر العلاقة غير المتوازنة.

إن الحديث عن “ملكية سودانية خالصة للحل السياسي” يبدو، في ظاهره، متسقاً مع تطلعات الشعب السوداني، لكنه يصطدم بسؤال جوهري: كيف يمكن لدولة ظلت لاعباً مؤثراً في الشأن السوداني لعقود أن تقدّم نفسها اليوم كحارس لسيادته؟ هذه المفارقة ليست جديدة، بل ظلت محوراً مركزياً في كثير من الكتابات التي تناولت طبيعة العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، والتي اتسمت غالباً بعدم التكافؤ، سواء في ملفات السياسة أو الاقتصاد أو الموارد.

من أبرز القضايا التي تُضعف مصداقية هذا الخطاب، استمرار النزاع حول مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد، وهو ملف لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن “سلامة الأراضي”. فبالنسبة لقطاعات واسعة من السودانيين، يمثل هذا النزاع دليلاً حياً على أن الشعارات لا تعكس بالضرورة واقع الممارسة، وأن الحديث عن الوحدة يجب أن يبدأ بالاعتراف بالحقوق، لا القفز فوقها.

كما أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خصوصاً في ظل الحرب الحالية، تثير تساؤلات إضافية. إذ يشير مراقبون إلى تنامي حركة الصادرات المرتبطة بالذهب السوداني، في ظل ظروف استثنائية يعيشها البلد، ما يعكس – بحسب هذه الرؤى – اختلالاً في ميزان المصالح، ويعزز الانطباع بأن السودان لا يزال يُدار في بعض جوانبه كمساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية أكثر من كونه دولة ذات قرار مستقل.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الدور الذي لعبته النخب السودانية، المدنية والعسكرية، عبر عقود طويلة. فقد أسهمت هذه النخب، بدرجات متفاوتة، في تكريس أنماط من التبعية أو الضعف في إدارة العلاقات الخارجية، سواء عبر غياب الرؤية الاستراتيجية أو تغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية. وهو ما جعل السودان، في كثير من المحطات، ساحة لتجاذبات إقليمية بدلاً من أن يكون فاعلاً مستقلاً في محيطه.

أما الدعوة إلى هدنة إنسانية، التي طرحها الوزير المصري، فهي من حيث المبدأ خطوة إيجابية، لكنها تظل غير كافية ما لم تُقرن بإرادة حقيقية لوقف الحرب بشكل شامل، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة. فالمعاناة الإنسانية في السودان بلغت مستويات غير مسبوقة، ولا تحتمل مزيداً من المناورات الدبلوماسية أو المبادرات الجزئية.

إن جوهر الأزمة السودانية اليوم لا يكمن فقط في الصراع العسكري، بل في غياب مشروع وطني جامع قادر على استعادة القرار من قبضة الداخل المتنازع والخارج المتداخل. ومن هنا، فإن أي حديث عن الحل يجب أن ينطلق من إعادة الاعتبار لإرادة السودانيين أنفسهم، بوصفهم أصحاب المصلحة الأولى والأخيرة في تقرير مصير بلادهم.

لقد آن الأوان لإعادة تعريف العلاقة مع الإقليم، بما فيها العلاقة مع مصر، على أسس جديدة تقوم على الندية والاحترام المتبادل، لا على الإرث التاريخي أو موازين القوة غير المتكافئة. فالسودان، رغم أزماته، يظل بلداً ذا موقع استراتيجي وثروات كبيرة وشعب قادر على إعادة بناء دولته متى ما توفرت الإرادة والقيادة.

في نهاية المطاف، لن تُحسم معركة السيادة بالبيانات أو اللقاءات الدبلوماسية، بل بقدرة السودانيين على استعادة زمام المبادرة، وبناء دولة تعكس تطلعاتهم، وتحمي مواردهم، وتدير علاقاتها الخارجية من موقع الشريك لا التابع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!