
سمية النور دهب
من يتأمل خطاب إعلام الفلول اليوم، يظن أنه أمام مسرحٍ هزليٍّ بلا جمهور، ممثلون يصرخون في فراغٍ من التصديق. كل شيء في هذا المشهد يثير الدهشة: أكاذيب تتوالد من رحم أكاذيب، وخطابٌ متهافت يحاول التمسك بما تبقى من رماد الوهم. فمنذ لحظة تحرير الفاشر، تحولت الحقيقة إلى مرآةٍ كسرت آخر أوهامهم، بينما ظلت أبواقهم تصرخ نكرانًا، كأنهم يخشون الاعتراف بأن الهزيمة بدأت من الوعي لا من الميدان.
لقد شاهد العالم بأسره لحظة التحرير، شاهد الأعلام ترفرف، والجنود يرفعون رؤوسهم عاليةً، والمدينة تنفض عنها غبار الحرب، بينما ظل إعلام الفلول يردد: “لم يحدث شيء”. أي جنونٍ هذا؟! إنهم يتحدّون البديهة نفسها، ويقفون ضد الحقيقة كما يقف الظلّ ضد الضوء. لم يعد الكذب عندهم وسيلة بل صار قدرًا، ولم تعد الدعاية أداة بل صارت عقيدة.
من قبل، أشاعوا موت قائد قوات الدعم السريع، وحين ظهر حيًّا قالوا: “صورة من الذكاء الاصطناعي”! وعندما ذهب وفد البرهان إلى واشنطن، أنكروا التفاوض، ثم عادوا ليقولوا “مباحثات”.. إنهم يحيون في دوامة من التناقض، لا يميزون بين الوهم والواقع، ولا بين التصريح والتكذيب. إعلامٌ بلا ذاكرة، وجمهورٌ تاه بين روايتين لا تربطهما إلا الخديعة.
لكنّ الأكاذيب، مهما انتفخت، تنهار أمام لحظة صدقٍ واحدة. والوعي السوداني اليوم أذكى من أن يُقاد بتضليلٍ رخيص. لقد سقطت الحركات التي تاجرت بالشعارات، وتعرت جماعة الهوس الديني التي اتخذت من الدين ستارًا لأطماعها، وتبدّى للناس أن الحرب التي أشعلوها لم تكن دفاعًا عن وطن، بل معركةً من أجل سلطةٍ فقدت شرعيتها وضميرها معًا.
إن أخطر ما خلفه إعلام الفلول ليس الكذب نفسه، بل الاعتياد عليه. حين يتصالح الناس مع الزيف، يفقدون قدرتهم على الغضب. لكن السودانيين، بعد كل ما مرّ بهم، لم يعودوا يُخدعون. باتوا يقرأون بين السطور، ويعرفون أن من يتحدث باسم “الجيش” إنما يتحدث بلسان جماعةٍ فقدت الوطن، وتبحث في الأنقاض عن شرعيةٍ لا تُمنح إلا بالصدق.
اليوم، تسقط آخر جدران الوهم، وتنهار ماكينة التضليل التي ظنّ أصحابها أنها ستعيش أطول من الحقيقة. غير أن الحقيقة – كالنور – لا تُطفأ. ستظلّ الفاشر شاهدًا على أن الكذب، مهما راوغ، لا ينتصر. وسيسجل التاريخ أن إعلام الفلول خسر المعركة حين ظنّ أن الناس بلا ذاكرة، وأن السودان بلا وعي.
لقد انتهى زمن الخداع، وبدأ زمن المكاشفة. فكل كذبةٍ جديدةٍ تُسقط قناعًا آخر، حتى لم يبقَ في وجه الفلول سوى عُري الحقيقة.




