رأي

فاشر التضحيات والعزيمة التي لا تقهر حين انتصر الهامش وسقطت دولة الإسلاميين

دكتور إخلاص قرنق

 

 

إخلاص قرنق

كاتبة باحثة سياسية وحقوقية 

رئيس منبر صوت المرأة جوبا

الفاشر لم تسقط، بل كشفت السقوط الحقيقي للدولة القديمة التي حكمها الإسلاميون ثلاثين عامًا باسم الدين وبلغة الشريعة.

سقوط الفاشر ليس سقوط مدينة، بل سقوط مشروعٍ سياسيٍ أصرّ على احتكار السلطة، وإقصاء كل من لا ينتمي إلى مركزه الضيق.

الذين أشعلوا الحرب في الخرطوم ونقلوها إلى دارفور فعلوا ذلك لأنهم لم يحتملوا أن يروا أبناء الهامش وقد أصبحوا قوةً قادرةً على فرض وجودها في معادلة السودان الجديد.

الدعم السريع… من الهامش إلى قلب المعادلة

انتصار قوات الدعم السريع لم يأتِ صدفة.

هذه القوة وُلدت من رحم الهامش، من مجتمعات طالما حُرمت من نصيبها في السلطة والثروة، واعتاد المركز أن يستخدم أبناءها وقودًا لحروبه ثم ينكر عليهم حقهم في الوطن.

لكن التاريخ تغيّر، والذين كانوا في الأطراف أصبحوا اليوم في قلب المشهد.

حين خرج الشعب في ديسمبر 2018 مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة، كان عمر البشير يأمر أجهزته بقمع المتظاهرين بالرصاص.

لكن حميدتي، الذي كان جزءًا من منظومة النظام، رفض تنفيذ الأوامر وقال: “لن نقتل أبناء شعبنا.”

ومن تلك اللحظة، بدأت معادلة جديدة: دعم شعبي متزايد لقوة انحازت لنبض الشارع، أو على الأقل رفضت أن تكون أداةً في يد الجلاد.

هذه المواقف لم تُغفر للإسلاميين، الذين رأوا في الدعم السريع تهديدًا لمشروعهم، لا لأنه يملك السلاح، بل لأنه كسر احتكار المركز للشرعية الوطنية.

لماذا فشل الجيش؟ لأن الدولة نفسها فشلت

حين تداعت الفاشر، لم يكن ذلك بسبب ضعف جنودها، بل لأن الجيش الذي كان يجب أن يحمي السودان تحوّل إلى مؤسسة منهكة بالولاءات، مخترقة بالسياسة، تابعة لفكرٍ لا يرى في الوطن إلا وسيلة للتمكين.

الجيش الذي يُدار بعقل الحزب لا بعقل الدولة، لا يمكنه أن يصمد في معركة وطنية.

وحين انهارت مؤسسات الخرطوم، تمدد الفراغ حتى ابتلع الفاشر.

هذه ليست حرب جيش ضد قوات الدعم السريع ، بل حرب مشروعين:

مشروع يريد استعادة هيمنة الإسلاميين، ومشروع وُلد من رحم الثورة ليقول إن السودان لكل أبنائه، لا لحفنةٍ من المتسلطين.

الإسلاميون.. من تمكين الخراب إلى تبرير الهزيمة

اليوم، يطلّ علينا من كانوا بالأمس في قصور السلطة ليتحدثوا عن “المؤامرة الإقليمية”، و”الاستعمار الجديد”، وكأنهم أبرياء مما وصل إليه الوطن.

لكن الحقيقة الواضحة كالشمس هي أن الإسلاميين هم من دمّروا مؤسسات الدولة، قسموا الجيش، وأشعلوا النار في كل بيت سوداني، ثم هرعوا الآن ليتحدثوا عن “خطر الخارج” ليخفوا فشل الداخل.

مقال بحر إدريس أبو قردة ليس سوى امتدادٍ لهذا الخطاب المهزوم؛

يريد أن يُقنعنا أن سقوط الفاشر سببه يوغندا أو جنوب السودان وإسرائيل والإمارات، لا فساد النظام الذي صنع الحرب بيديه.

يريدون أن يعلّقوا فشلهم على شماعة الآخرين، بينما الحقيقة أن السودان انهار لأنهم لم يحتملوا وطنًا بلا وصايةٍ ولا قداسةٍ سياسية.

الفاشر… رمز الصمود في وجه مشروع الاستعباد الجديد

الفاشر اليوم ليست نهاية السودان، بل بدايته الجديدة.

هي مدينة تُقاتل، تقف في وجه مشروع يريد قتل الثورة مرتين: مرة في الشوارع حين خرج الناس يطالبون بالحرية، ومرة في الميدان حين حاولوا سحق القوة التي رفضت قتل المتظاهرين.

الإسلاميون لم يغفروا للدعم السريع موقفه من ثورة ديسمبر، لذلك صمموا هذه الحرب ليقضوا عليه وعلى الحلم الذي مثّله.

لكنهم أخطأوا التقدير، لأن السودان تغيّر، ولأن جيل ديسمبر لم يعد يقبل العودة إلى زمن الخوف والتمكين.

من المؤامرة إلى الحقيقة

ليست هناك مؤامرة أعظم من مؤامرة الداخل: حين يحتكر البعض الحديث باسم الله، ويختطفون الدولة، ويزرعون الفتن بين أبنائها ثم يبكون على “السيادة الوطنية”.

الفاشر كشفت الحقيقة: أن السودان ليس رهينة للمركز، وأن الهامش حين ينهض، لا يُهزم بسهولة.

كلمة أخيرة

الحرب التي أشعلها الإسلاميون لإعادة تمكينهم، لن تُعيدهم إلا إلى مزبلة التاريخ.

والقوة التي خرجت من دارفور لن تُهزم لأنها تمثّل أكثر من بندقية؛ إنها تمثّل إرادة الناس الذين حُرموا طويلاً من أن يكون لهم صوت في هذا الوطن.

من أراد أن يفهم ما يجري فليقرأ الفاشر لا كمدينة محررة ، بل كرمزٍ لصراعٍ بين الماضي والمستقبل.

الماضي الذي يريد أن يعيد السودان إلى ظلام التمكين، والمستقبل الذي يكتبه أبناء الهامش بدمهم وصمودهم

الفاشر لم تسقط… بل تم تحريرها الذي سقط هو مشروع الإسلاميين.

ومن بين رماد الحرب سيولد السودان الجديد — حرًا موحدا عزيزا شامخا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!