رأي

الفاشر.. مرآة الحرب وبشاعتها – لا للحرب، لا للانتقام، نعم لوطنٍ يسع الجميع

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

الحرب لا تُوزَّع فيها هدايا، بل الموت.

عندما نقول «لا للحرب»، لا نقولها من ضعف أو خوف، بل من إدراكٍ عميقٍ أن الحرب لا تورث إلا الخراب، وأن الوطن لا يُبنى بالرصاص، بل بالعقول والقلوب.

واليوم، كما الأمس، نعيش تكرار المأساة في الفاشر، المدينة الجريحة التي تحولت من رمز للتنوّع والحياة إلى مسرح لأبشع الجرائم والانتهاكات، فيما لا يزال الإعلام الإخواني والكيزاني يصرّ على تسويق الحرب وكأنها بطولة أو “نصرٌ مؤقت”، غير مدرك أن كل طلقة تُطلق هناك، تصيب الوطن بأسره.

الفاشر.. المدينة التي اختنقت بالدم والدمار

ما يحدث اليوم في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، ليس سوى لوحةٍ داميةٍ تختصر حقيقة الحرب.

فقد سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة، آخر معاقل الجيش في الإقليم، بعد شهورٍ من الحصار والتجويع.

المشهد الإنساني هناك مأساوي بكل المقاييس:

آلاف المدنيين محاصرون بلا غذاءٍ ولا دواء.

الأحياء السكنية تحوّلت إلى مقابر جماعية.

تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية تتحدث عن إعدامات ميدانية واغتصابات ونهبٍ للمستشفيات والمراكز الإنسانية.

صور الأقمار الصناعية أظهرت أجساداً ملقاة في الشوارع، وأحياءً تحوّلت إلى رماد.

هذه ليست مشاهد من فيلمٍ حربيٍّ خياليّ، بل من الفاشر، المدينة التي كانت يوماً تُعرف بسوقها الكبير وبنسيجها الاجتماعي الفريد.

اليوم، تُدفن فيها معاني الحياة، وتُرتكب فيها كل جرائم الحرب، بينما بعض المنابر الإعلامية ما زالت تتحدث عن “نصرٍ عسكري” أو “فتحٍ جديد”، متناسية أن النصر لا يكون على جثث الأبرياء، ولا فوق أنقاض المدن.

الإعلام الإخواني والكيزاني.. سلاح آخر في وجه الوطن

لم يكن الإعلام يوماً بريئاً من نار الحرب.

فمنذ بداية الصراع، استخدم الإخوان المسلمون وأذرعهم الإعلامية أدواتهم لتأجيج الكراهية، وتزييف الحقائق، وتوجيه الاتهامات وفق أهوائهم السياسية.

اليوم، بعد سقوط الفاشر، يعيدون ذات المشهد الذي رأيناه بعد سقوط الخرطوم وود مدني:

حملات تحريض، وشعارات جوفاء عن “كرامة الجيش”، وتخوين لكل من يقول «لا للحرب»

لكن، متى كانت الحرب طريقاً إلى الكرامة؟

إنها طريقٌ إلى الذل والفقر والجوع، طريقٌ إلى تشريد الأطفال واغتصاب النساء وهدم المدارس والمساجد.

الإعلام الذي يبرّر هذه الكوارث، أو يصمت عنها، لا يمارس حرية التعبير، بل يمارس جريمةً أخلاقية.

كل من يروّج للحرب، أو يصوّرها بطولة، هو شريك في إراقة الدم السوداني، ولو لم يحمل سلاحاً.

الفاشر.. الدليل القاطع على أن الحرب لا تترك كرامة

تقول التقارير الأممية إن ما يجري في الفاشر الآن هو الأسوأ منذ بداية الحرب.

حصار خانق، وانعدام للوقود والخبز والدواء، وانهيار كامل للنظام الصحي.

الأطفال يموتون عطشاً وجوعاً، والنساء يهربن من الموت إلى المجهول.

كل ذلك يجسد تماماً جوهر ما نحذر منه منذ البداية:

الحرب لا تورث الكرامة، بل الإهانة.

لا تجلب مجداً، بل عاراً.

لا تحرر وطناً، بل تسلبه آخر ما تبقّى من إنسانيته.

من كان يظن أن الحرب “تسترد شرفاً ضائعاً”، فلينظر إلى الفاشر اليوم:

أي شرفٍ في أن ترى أبناء وطنك جثثاً في الطرقات؟

أي كرامةٍ في أن تُغتصب النساء ويُهدم البيوت وتُنهب المستشفيات؟

أي وطنٍ هذا الذي يُفنى أبناؤه باسم “الانتصار”؟

الإعلام شريك في الجريمة أو رافض لها

الحياد في زمن الدم ليس فضيلة، بل تخاذل.

والإعلام السوداني اليوم أمام اختبارٍ أخلاقيٍّ كبير:

إما أن يكون صوتاً للضمير والإنسان، أو يكون بوقاً للخراب.

على الإعلاميين والصحفيين أن يدركوا أن نشر خطاب الكراهية، أو تبرير العنف، أو تصوير طرفٍ من أطراف الحرب كـ “منقذ”، هو جريمة لا تقل عن إطلاق النار.

يجب أن يتوقف الإعلام فوراً عن:

1. تجميل مشهد الحرب بأي غطاءٍ وطنيٍّ أو عاطفي.

2. ترويج الأكاذيب والتحريض ضد فئاتٍ من المجتمع.

3. تجاهل المأساة الإنسانية التي يعيشها الناس في الفاشر وغيرها.

الإعلام الذي يقف في صفّ الضحية، ويدين القاتل أيّاً كان، هو الإعلام الذي يُنقذ ما تبقّى من ضمير الوطن.

أما الذي يبرر، أو يصمت، فهو جزء من آلة القتل.

الإخوان المسلمون.. وقود الحرب وسماسرتها

منذ اندلاع الحرب، لم يُخفِ الإخوان المسلمون رغبتهم في استمرارها.

يظنون أن الفوضى ستعيد إليهم سلطتهم التي أسقطتها الثورة.

ولذلك تراهم اليوم يوجّهون خطابهم ليُحمّلوا “الآخر” كل اللوم، في حين أن الكارثة هي نتاج مباشر لعقودٍ من التمكين، والتخريب، وبذر الفتنة بين أبناء الوطن.

لقد تحوّل الإخوان من جماعةٍ سياسيةٍ إلى تاجرٍ بالأزمات، كلما احترق جزء من الوطن، وجدوا فيه فرصةً للعودة، لا للبناء، بل للانتقام.

لكن التاريخ علّمنا أن من يصنع الحروب لا يصنع الأوطان، وأن الكيزان مهما لبسوا ثوب “الوطنية”، فهم أول من فرّط في الوطن وأحرقه بأيديهم.

لا للحرب.. نعم للسلام والعدالة

اليوم، ونحن نرى مشهد الفاشر، يجب أن نرفع الصوت عالياً:

لا للحرب، لا لأيّ سلاحٍ يُرفع في وجه المواطن.

لا للانتقام، فالثأر لا يُرئّ الجرح، بل يفتح ألف جرحٍ جديد.

نعم للسلام والعدالة، فالمحاسبة والشفافية وحدهما تضمنان ألا تتكرر الفاشر في مكانٍ آخر.

يجب أن يتوحد السودانيون جميعاً خلف شعارات الثورة التي أرعبت الطغاة:

حرية، سلام، وعدالة.

ولْيكن بناء وطنٍ يسع الجميع هو الهدف الأعلى، لا مكاسب السلطة ولا رايات الانتماء الضيّق.

دعوة إلى توحيد الصفوف

• على القوى المدنية والثورية أن تُدرك أن معركتها الحقيقية ليست مع جيشٍ أو مليشيا، بل مع ثقافة الحرب ذاتها.

وعلى كل السودانيين أن يتوقفوا عن التراشق الإعلامي والاتهامات الجوفاء.

الفاشر الآن تحتاج صوتنا، لا خلافاتنا.

تحتاج وعينا، لا غيابنا.

تحتاج أن نقف صفاً واحداً، لا أن نعيد أخطاء الماضي.

العدالة والمساءلة: الطريق الوحيد لإنهاء الدوامة

لن يُبنى السلام من دون عدالة.

لن تُشفى الفاشر ما لم يُحاسب من ارتكب جرائمها.

العفو لا يعني النسيان، والمصالحة لا تعني الإفلات من العقاب.

العالم يراقب، والتاريخ يسجل، وسيسأل يوماً:

أين كنّا عندما كانت الفاشر تحترق؟

لذلك يجب أن تُفتح ملفات التحقيق، وأن تُقدّم الأدلة، وأن يُحاسب كل من تورّط في القتل أو التهجير أو التدمير، مهما كان موقعه أو انتماؤه.

هذه ليست دعوة انتقام، بل نداء عدالة — لأن العدالة هي أول خطوة نحو سلامٍ دائم.

خاتمة:

*الفاشر شاهدٌ على بشاعة الحرب وضرورة السلام*

الفاشر اليوم ليست مجرد مدينةٍ منكوبة، بل ضمير السودان الجريح.

ما حدث فيها يجب أن يكون درساً أخيراً لنا جميعاً:

أن الحرب لا تبني وطناً، وأن الإعلام الذي يروّج لها خائنٌ لرسالته، وأن الإخوان المسلمين الذين يعتاشون على دماء الشعب لا يمثلون إلا ظلام الماضي.

فلنرفع شعارنا بصوتٍ واحد:

لا للحرب، لا للانتقام، لا للإعلام المأجور.

نعم للسلام، نعم للعدالة، نعم لوطنٍ يسع الجميع.

> الفاشر اليوم تصرخ بأصوات أطفالها وأمهاتها،

أنقذوا الوطن قبل أن يُدفن في رماد الكراهية،

فالسلام ليس خياراً سياسياً… بل واجب وطني وإنساني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!