
عبدالله محمد ادم ….كمبالا
في حروب السودان الممتدة، لا تموت الأجساد فقط، بل تموت الذكريات أيضاً، تذوب الوقائع الأليمة في بوتقة المعاناة اليومية، فتتحول المآسي الكبرى إلى مجرد هوامش في سجل أمة منهكة، تبحث عن النجاة بيومها قبل أن تحفظ ماضيها.
يقال إن ذاكرة العوام ثلاثة أيام، لكن في السودان، قد تضيق الذاكرة لتصبح ثلاث ساعات فقط حتي لصفوة القوم، ثلاث ساعات تفصل بين مشهد الدمار ومشهد النسيان، بين رؤية الجثث وتناول الطعام، بين سماع صرخات الجيران والتفكير في كيفية تأمين الماء و الدواء.
فهذه الذاكرة التي نسيت إبادة دارفور، ونسيت مليوني جنوبي ضاعوا في حرب ضروس، ونسيت كل تلك الأراضي التي انفصلت إلى الأبد و مسحت معها انقلاب البشير و سجن المعارضين و فصلهم لصالح تمكين الكيزان ، بل قتل الابرياء و خطب انس عمر و تهديدات نافع علي نافع و علي عثمان، هذه الذاكرة نفسها تتناسى الآن ضحايا فض الاعتصام والثوار الذين وقفوا ضد الانقلاب، و تتجاهل حقيقة أن الحرب أشعلتها الحركة الإسلامية في أبريل فشردت أهل الخرطوم و ود مدني وكل أنحاء الجزيرة فاعاد السودان مركزه الاولي في احتضان اكبر الكوارث الانسانية في الكون.
بل إن هذه الذاكرة تتسع للتناقض العجيب لتنسى مشاهد أكل كبد البشر بواسطة افراد كتيبة البراء و مجزرة اهل الكانبي في الجزيرة و قانون الوجوه الغريبة، ثم تحتفظ للحظة بصورة أجتياح الفاشر وظهور القاتل أبو لؤلؤ، قبل أن تمحوها جميعاً عندما تتواصل الحرب وتدور عجلة العنف من جديد في الأبيض وأم روابة وأم درمان و الخرطوم، وربما بورتسودان إذا استمر العناد في الايام القادمة.
والأكثر إيلاماً أن ذاكرتنا قد تتنازل عن مساءلة البرهان عن كل هذه الجرائم، إذا ما “ضُغضغت” مشاعرنا بكونه قد فعل ما فعل معتقداً أن الله أمره به. وكأن الذاكرة تختار نسيان وصية الأجداد “البابا الصلح ندمان” و نسيان أن الصلح خير.
إنها آلية بقاء قاسية، يمحو فيها الألم الحاضرُ الألمَ الماضي، فحينما تكون مشغولاً بالبحث عن رغيف خبز، أو هرباً من قذيفة، أو خوفاً على طفل من الموت عطشاً، لا يعود مهماً من قتل من، ولا من المسؤول عن الدمار،لكن هذه الآلية التي قد تنقذ الأفراد، تقتل الأمة، فالأمم التي تنسى مآسيها محكوم عليها بتكرارها فالذاكرة الجمعية هي التي تحفظ للأمة كرامتها وهويتها وتمنعها من السقوط في نفس الحفر مرة بعد أخرى ،لكن المؤسف في السودان، تتحول الذاكرة إلى ساحة معركة أخرى، معركة بين النسيان اللحظي اللازم للاستمرار، والتذكر الضروري للكرامة،انها معركة ما بين آلام الماضي التي لا تُحتمل، ودروسها التي لا غنى عنها.
فهل نلوم الناس على نسيانهم، أم نلوم الحرب التي جعلت من النسيان وسيلة للبقاء؟
لا الومكم ان نسيتم كل شيء كي تعيشوا لكن ارجو ان لا تنسوا ان الكيزان هم السبب في كل شيء،، حتي كتابة هذه السطور!!!




