رأي

فطور فوق الركام

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

في بلدٍ ما تزال نساؤه يواجهن القتل والنزوح والعنف والفقر وفقدان أبسط مقومات الحياة، يصبح من المشروع مساءلة أولويات الخطاب النسوي السياسي، لا من باب التقليل من قيمة اللقاءات الإجتماعية، وإنما من باب مساءلة جدواها في زمن الكارثة.

تنظيم برنامج فطور لوفود تنظيمية في نيالا من قبل أمانة المراة في قمم، بينما تعيش آلاف النساء في مراكز الإيواء ومعسكرات النزوح أوضاعاً مأساوية، يكشف أزمة أعمق من مجرد فعالية عابرة، إنه يعكس إستمرار عقلية سياسية لم تستوعب أن حرب 15 أبريل لم تغيّر موازين القوى فحسب، بل غيّرت طبيعة القضايا نفسها، فما كان مناسباً قبل الحرب لم يعد كافياً بعدها.

المشكلة ليست في الفطور، وإنما في رمزيته السياسية، فعندما تتحول الأمانات النسوية إلى منصات للعلاقات العامة واللقاءات البروتوكولية، بينما تغيب المبادرات الجادة لحماية النساء والدفاع عن حقوقهن وبناء أدوات ضغط حقيقية، فإن العمل النسوي يفقد وظيفته الأساسية، ويتحول إلى نشاط شكلي يدور في فلك التنظيمات السياسية أكثر مما يدور حول قضايا النساء.

لقد كشفت الحرب هشاشة البنية التنظيمية للحركات النسوية داخل الأحزاب والتنظيمات، فما زالت النساء في كثير من الأحيان يُستدعين لتجميل الصورة، بينما تبقى مراكز إتخاذ القرار السياسي والإستراتيجي حكراً على القيادات الذكورية،والأسوأ من ذلك أن بعض النخب النسوية أعادت إنتاج الإقصاء نفسه داخل مؤسساتها، فإحتكرت التمثيل، وتحدثت باسم النساء دون أن تفسح المجال لنساء الأقاليم ومعسكرات النزوح والمناطق المتأثرة بالحرب ليقدن قضاياهن بأنفسهن.

المرأة السودانية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الصور الجماعية ولا إلى برامج إحتفالية، بل تحتاج إلى خطاب سياسي جديد ينطلق من واقعها اليومي،و إلى مبادرات للحماية، وإلى مواثيق واضحة لمناهضة الإنتهاكات التي يرتكبها دواعش عصابة بورتسودان، وإلى تمثيل حقيقي في صناعة القرار، وإلى حركة نسوية مستقلة تمتلك القدرة على مساءلة الجميع، لا أن تكون مجرد ذراع تنظيمي تابع لهذا الحزب أو ذاك.

العمل النسوي الذي لا يلامس جراح النساء يتحول إلى ممارسة شكلية، والعمل السياسي الذي ينشغل بالمظاهر في زمن المأساة يفقد مبرر وجوده، ولذلك فإن الأزمة ليست في فعالية واحدة، بل في ثقافة سياسية ما زالت أسيرة الأدوات القديمة، رغم أن الواقع تجاوزها بالكامل.

لقد آن الأوان لإعادة تعريف دور الحركة النسوية السودانية داخل الدولة التي نسعى جميعا الى تسأسيها. دور المرأة اليوم ليس تنظيم المناسبات، بل قيادة معركة الحقوق والعدالة والتمثيل الحقيقي، فنساء السودان لا يحتجن إلى موائد تجمع النخب بقدر ما يحتجن إلى مشروع يضع معاناتهن في قلب الفعل السياسي، ويجعل من أصواتهن القوة التي تعيد صياغة مستقبل البلاد، ففي زمن الكوارث، لا تُقاس قيمة الحركات السياسية بما تنظمه من مناسبات، بل بما تُحدثه من أثر في حياة الناس، وكل نشاط لا يقترب من جراح النساء، مهما حسنت نواياه، يبقى مجرد فطور فوق الركام.

ولنا عودة بإذن الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!