رأي

صرخة في زمن الصمت : مستشارو«تأسيس»و الهدنة القاتلة

حسن النعمان

 

 حسن النعمان

ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر الذين يبيعون اليقين بوعدٍ سرعان ما تذروه الرياح. ويبدو أن مستشاري «تأسيس» قد ابتلعوا الطُّعم حتى غاب عنهم وجه الحقيقة، وظنوا أن كل كلمةٍ تتفوه بها الرباعية أو الأمم المتحدة إنما هي قدرٌ لا يُرد، ووحيٌ لا يُناقش، فواروا عقولهم خلف ستائر الأوهام، وصدقوا السراب، وانتظروا أن تأتيهم الهدنة بقميص يوسف، تحمل البشرى، وترد الغائب، وتحيي الميت، وتبدل الضعف قوةً، والهزيمة نصراً.

 

وهل كانت الأمم، منذ خُلقت السياسة، تمنح الضعفاء مجداً؟ أم أنها لا تعرف إلا منطق القوة، ولا تصغي إلا لصوت من يفرض وجوده على الأرض؟

ولقد طال على هؤلاء المقام في ظلال الوهم، حتى صاروا أسرى لـ«صمود»، يستقون منها أخبارهم، ويستعيرون منها مواقفهم، وينظرون بعينيها، ويزنون الأمور بميزانها، كأنهم لم يذوقوا من قبل سوط الجيش، ولا عرفوا بطش الحركة الإسلامية المتشددة.

ومع ذلك كله، تراهم يميلون إليهم في حياءٍ عجيب، ويغازلونهم عبر بوابة المجتمع الدولي، ويلقون برؤوسهم إلى همسات «صمود»، حتى أصبح السؤال حقاً على كل ذي عقل: أهي صمودٌ تُورث العزة، أم خنوعٌ يُلبس ثوب الحكمة زوراً؟

لقد ابتُلي شعب «تأسيس»، وابتُلي مقاتلوها، بمستشارين صمٍّ إذا نادى المنادي لم يسمعوا، وبكمٍ إذا وجب البيان لم ينطقوا، وعميٍ إذا أشرقت الحقيقة لم يبصروها.

لا يوقظهم إلا الفأس إذا وقعت في الرأس، ولا ينبههم إلا الخراب إذا عمّ الديار. أخذتهم الغفلة قياماً، وساقتهم الغفلة قعوداً، حتى صارت النكسة تسبق التدبير، وصار الفشل يسبق الفكرة.

فأين العقل الذي يُحسن التدبير؟ وأين الذكاء الذي يعرف مداخل السياسة ومخارجها؟

وأين الكيد الذي جعله الله من أدوات الحرب؟

وأين الحكمة التي تزن الأمور بميزان الرجال لا بميزان الأمنيات؟

إن الحرب، نعم، سجالٌ بين يومٍ ويوم، ولكنها ليست مقاماً للغفلة، ولا ميداناً للاستسلام، ولا سوقاً تُباع فيها التضحيات بثمن الوعود.

لقد ملَّ شعبكم ـ أيها المستشارون ـ الألقاب الرنانة، وضاق ذرعاً بالأسماء التي يسبق صيتها أعمالها. فما رأى منكم إلا إقصاءً لأهل الكفاءة، وكبحاً للمؤهلين، وركناً للثائرين الذين لو أُطلقت لهم السبل لغيّروا وجه الميدان.

لقد منحكم الله رجالاً لم تُرزق مثلهم أممٌ كثيرة، حتى إن الأنبياء في بدايات دعواتهم كانوا يبحثون عن مثل هذا الثبات، إذ بدأت الرسالات سراً، ثم خرجت إلى الناس برجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

وجدتم أشاوساً كأنهم جند سليمان عليه السلام، يسيرون إلى الموت كما يسير الناس إلى أفراحهم، ويستقبلون الرصاص كما يستقبل غيرهم نسائم الصباح.

شباباً آمنوا بقضيتهم، فكانوا كالبنيان المرصوص، لا يجزعون إذا اشتدت الخطوب، ولا يكلّون إذا طال الطريق، ولا يملّون إذا تكاثرت الجراح.

فأين أنتم من هؤلاء؟

كيف تهادنون على دمائهم، وهم يكتبون بدمائهم تاريخكم؟ وكيف تستجدون هدنةً، والطائرات من خلفهم تمزق الأسر، وتحرق البيوت، وتشق بطون الأمهات، حتى يخرج الطفل من رحم أمه شهيداً قبل أن يرى نور الحياة، كأنه يمد يده إليكم مستغيثاً، ويسألكم: أي ذنبٍ اقترفت حتى أُقتل قبل أن أولد؟

فهل حميتم أماً؟

وهل أنقذتم طفلاً؟ وهل صنتم عرضاً؟

أم تركتم الدماء تتحدث عنكم حيث صمتم؟

ثم إنكم جعلتم من المجتمع الدولي قبلةً لسياساتكم، وكأنه إلهٌ لا يُعصى، وهو لا يعرف إلا القوة. والتاريخ شاهدٌ لا يكذب، فمن كان بالأمس إرهابياً في أعينهم، قد يصبح اليوم ضيفاً تُفتح له القصور، إذا تبدلت الموازين.

وهذه الأيام لا تحفظ الأسماء، وإنما تحفظ موازين القوى.

والأمثلة في الدنيا أكثر من أن تُحصى، ولكن العبرة لا ينتفع بها إلا من فتح قلبه قبل عينيه.

احمد الشرع بسطت له السجاد الأحمر وبالامس يدعونه ارهابي.

إن جمهور «تأسيس» لا يريد منكم المعجزات، ولا ينتظر منكم عصا موسى، فإن أبناءه هم العصا التي تُؤدَّب بها كل يدٍ باغية، ولا يريد منكم أن تغلوا الزيت على أيديكم، ولا أن تشووا اللحم تحت وهج الشمس لتثبتوا إخلاصكم.

إنما يريد منكم رجال دولة، يترجمون المواقف إلى أفعال، ويردون الصاع صاعين، سياسةً بدبلوماسية، وحكمةً بقوة، ويخرجون من عباءة الشجب التي ملَّها العالم، حتى صار السفير يضجر من سماعها قبل المواطن.

لم تقرؤ قول الله تعالى العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص ام لديكم في قول الله قول.

فمسيراتكم تصبح جرة أحلام على بورتسودان.

فالضجيج لا يصنع نصراً، ولو كان الضجيج يجلب الحقوق، لما بقي مظلومٌ في الأرض، ولما تُرك الأطفال تُداس أجسادهم تحت الأقدام، والعالم ينظر، ويسمع، ثم يشيح بوجهه كأن شيئاً لم يكن.

أيها المستشارون…

لقد ساق الله إليكم رجالاً لو وُزع ثباتهم على الجبال لزادت رسوخاً، يمشون فوق الجمر فلا تضعف خطاهم، ويعانقون الموت فلا ترتجف قلوبهم، ويتقدمون حيث يتراجع غيرهم.

وهذا فضلٌ لم ينله كثير من الأمم، حتى إن خصومكم، ودول الجوار، يتمنون لو كان في صفوفهم مثل هؤلاء الأشاوس.

ولكن المصيبة ليست في قلة الرجال، وإنما في قلة من يعرف قدر الرجال.

واعلموا أن الأمم لا تضيع حين يقل أبطالها، وإنما تضيع حين يقود أبطالها قومٌ لا يحسنون القيادة، ولا يعرفون قيمة التضحيات.

ولولا هؤلاء الشباب، لأكل الطير من فوق رؤوسكم منذ زمن، ولولا دماؤهم، لما بقي لكم موضع قدم. فإن أصررتم على التخاذل، وطال مقامكم في دائرة الانتظار، فسيأتي يومٌ يأكل فيه الطير من فوق رؤوسكم، أو تخرجون من صفحات التاريخ صاغرين، كما خرج الذين سبقوكم، لا يذكر الناس لكم إلا أنكم ضيعتم فرصةً لا تتكرر، وخذلتم رجالاً كانوا أوفى منكم للقضية.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!