رأي

(وَإِن بَغَتْ إِحْداهُمَا فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللّه)

عباس احمد السخي

 

عباس أحمد السخي

تنهض هذه المقالة على فهم جليل من كتاب الله تعالى، وهو الفهم الذي يكشف للمسلمين سبيلاً واضحاً في زمن الفتن والحروب الأهلية. فالآية الكريمة:{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللّه}

هي دستورٌ ربانيّ في شأن الاقتتال الداخلي، يضع ضوابطه، ويحدد الواجب الشرعي تجاه الباغي، ويمنح الأمة معياراً يميز به الحق من الباطل في لحظة اختلاط السيوف وغياب صوت العقل.

المفسّرون، من الطبري إلى ابن كثير والقرطبي، أجمعوا على أن البغي هو: الاعتداء ورفض الصلح، والإصرار على القتال بعد قيام الحجة ووضوح طريق الإصلاح. وهذا الفهم يضعنا أمام مسؤولية دينية وأخلاقية، ليس تجاه أطراف النزاع فحسب، بل تجاه الأمة نفسها، التي يحتم عليها الشرع أن تمنع الظلم وأن توقف الحرب حين يرفض أحد الأطراف السلام.

هذا المبدأ القرآني العظيم هو ما ينبغي استحضاره اليوم بوضوح لا لبس فيه في الحرب التي اندلعت بين قوات الدعم السريع و الجيش السوداني في أبريل 2023. فالطرفان، من حيث الأصل، طائفتان مسلمتان بلا شك، شاء الناس أم أبوا، ودماؤهما معصومة بكتاب الله وسنة نبيه، ومهما بلغت الأخطاء والانحرافات، لا يخرج أي منهما من وصف “طائفة من المؤمنين”. ولهذا كان واجب الأمة — شرعاً — السعي إلى الإصلاح أولاً، كما أمرت الآية.

لكن، لم يقف الأمر عند هذا الحد. فالآية لم تكتف بالدعوة إلى الصلح، بل أكدت أن الصلح إن رُفض، وإن ظهر اعتداء وبغي واضح، وجب قتال الفئة الباغية لردعها ومنعها من تدمير الأمة، حفاظاً على الأمن، وصيانةً للسلام، وحمايةً لدماء المسلمين.

إن قوات الدعم السريع طائفة مسلمة، والجيش — بكل تشكيلاته وعناصره — طائفة مسلمة أيضاً. وهذه الحقيقة ضرورية لأنها أساس الحكم الشرعي. فقتال المسلمين فيما بينهم لا يزيل عنهم صفتهم الإيمانية، لكنّه يحمّل الأمة واجب الإصلاح والوساطة، ومن ثم تحديد من يرفض الصلح إن ثبت ذلك . إن الإقرار بهذه الحقيقة لا يعني تبرئة أحد من الأخطاء، ولكنه يعني الالتزام بالنهج القرآني في التعامل مع النزاعات الداخلية، بعيداً عن خطاب التكفير، أو الشيطنة، أو التخوين المطلق.

عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، تذرّع كل طرف بأسباب يراها مبرراً للقتال. لكنّ القرآن لم يترك للأطراف حرية الاستمرار في الحرب دون ضوابط، بل أمر الأمة كلها — علماءها، زعماؤها، فئاتها المجتمعية، جيرانها — بالسعي الحثيث إلى الصلح:

{فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} وقد قامت بالفعل مساعٍ كثيرة للصلح، بدءاً من مباحثات جدة، ثم المنامة، وأخيراً جنيف. لكن هذه المبادرات واجهت عراقيل متكررة.

ثم من هو الباغي في ميزان القرآن وآراء العلماء

يقرر العلماء أن الباغي هو من: يرفض وقف القتال رغم دعوات الإصلاح. وكذلك يرفض الوساطة بعد عرضها عليه. ويفشل جهود الاتفاق في أكثر من محطة. ويستمر في إراقة الدماء مع وجود طريق واضح للحل.

وقد أجمع أهل التفسير على أن الأمة، بجميع مؤسساتها، مكلفة شرعاً بوقوفها في وجه البغي، لا من باب الانحياز السياسي، بل من باب حماية أمن الأمة وردع الظلم وحقن الدماء. وعند النظر في مسار الحرب، نجد أن الجيش السوداني ذي الخلفية الإخوانية كان — منذ اندلاع الحرب — الطرف الأكثر رفضاً لمسارات الصلح. فقد فشلت مباحثات جدة الأولى والثانية، ثم مباحثات المنامة وجنيف، ولعبت القيادات الإخوانية العسكرية دوراً واضحاً في إفشال كل محاولة جادة لوقف النار. وهذا السلوك، بمنطق الآية، وبحسب إجماع العلماء، يمثل بغياً صريحاً يوجب على الأمة أن تتدخل لردعه.

في الأيام الماضية، وافقت قوات الدعم السريع على الهدنة الإنسانية المقترحة من دول الرباعية: الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، ومصر. وهذه الهدنة ليست حلاً سياسياً نهائياً، لكنها خطوة أولى مطلوبة لوقف نزيف الدم وإيصال المساعدات وإعادة فتح المسارات الإنسانية. لكن الجيش، كما جاء في بيان مجلس الأمن والدفاع، اتخذ اتجاهاً رافضاً للهدنة، وماضياً نحو استمرار الحرب. وهو موقف يتعارض مع إرادة الشعب السوداني الذي أنهكته الحرب، ومع إرادة المجتمع الدولي والإقليمي، ومع منطق العقل، والأهم — مع منطوق الآية الكريمة. إن رفض الهدنة الإنسانية بعد أكثر من عامين من الخراب هو إصرار على البغي، وإصرار على إبقاء السودان في أتون حرب عبثية لم تجلب إلا التشريد والدمار.

إذا استمرت قيادة الجيش الإخوانية في رفض الحوار والهدنة، وواصلت اندفاعها نحو التصعيد العسكري، فإن الواجب الشرعي — بنص الآية — يصبح واجباً واضحاً: على الأمة السودانية، والأمة الإسلامية، والمجتمع الدولي ممثلاً في دول الرباعية، معاملة الجيش السوداني كـ”فئة باغية” يجب ردعها حتى تفيء إلى أمر الله وتقبل الصلح. هذا ليس خطاباً سياسياً، ولا اصطفافاً مع طرف ضد آخر، بل هو تطبيق حرفي لأمر الله: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}

والقتال هنا ليس بالضرورة قتال السلاح، بل قد يكون بالضغط السياسي، وبفتح المسارات الإنسانية، وبفرض العقوبات على من يصر على استمرار الحرب، وبتجفيف مصادر التمويل، وبمنع أي محاولات لإطالة عمر الحرب.

إن السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما طريق السلام الذي تُمهّده الهدنة الإنسانية وحوار جاد يقود إلى دولة مستقرة، وإما الدمار الشامل الذي تصر عليه الفئة الباغية في قيادات الجيش. عليه، فإن مسؤولية الأمة — شرعاً ووطناً — هي الوقوف ضد البغي، أياً كان صاحبه، وإجبار المعتدي على الفيئة إلى الصلح. وهذا هو الطريق الوحيد لحفظ السودان، وصيانة أمنه، وتأكيد أن كتاب الله لا يُتلى فقط، بل يُطبّق حين تشتد الفتن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!