
أبو عبد الله الراشدي
ليست أزمة السودان وليدة اليوم، بل هي حصيلة تراكماتٍ طويلةٍ من سوء الفهم بين السلطة والدولة، بين من يملك القوة ومن يملك الشرعية. فكلما تغيّر وجه الحاكم، بقيت بنية الحكم ذاتها على حالها، قائمةً على الولاء لا الكفاءة، وعلى الغلبة لا المشاركة. وهكذا، ظلّت السلطة تُدار بعقل الغنيمة، بينما بقيت فكرة الدولة مجرّد حلمٍ مؤجّل.
إنّ جوهر المعضلة السودانية هو غياب الرؤية الوطنية الجامعة التي تتجاوز الانقسام بين الحداثة والتقليد. فكلّ طرفٍ ينظر إلى الآخر بريبةٍ وعداء: دعاة التحديث يرون في القوى التقليدية عائقاً أمام المستقبل، بينما يرى المحافظون في التغيير تهديداً لهويتهم. هذا التنازع لم يترك مجالاً للتكامل، بل فتح الباب أمام الصراع المستمر بين النخب المدنية والعسكرية، وبين الحضر والريف، وبين المركز والهامش.
تاريخ السودان بعد الاستقلال يكشف نمطاً متكرّراً: ديمقراطيةٌ هشة تأتي بالقوى التقليدية، ثم انقلابٌ عسكريّ يرفع شعارات التغيير، فثورةٌ جديدة تعيد الديمقراطية، ليبدأ المسار من جديد. لم يكن الانقلاب يوماً حلاً، ولا كانت الديمقراطية ضمانةً، لأنّ كليهما ظلّ أسيراً للبنية الاجتماعية نفسها التي ترفض التحوّل من الولاء القبلي والطائفي إلى المواطنة الحديثة.
ومع مرور الزمن، تمدّد نفوذ المال والسلاح، حتى باتا القاعدة الجديدة للحكم. أصبحت المليشيات أكثر تأثيراً من الجيش، وأضحت الإدارات الأهلية والطرق الصوفية أدواتٍ لتثبيت النفوذ السياسي. في المقابل، انكمشت الدولة كمؤسسة، وتحوّل الجهاز الإداري إلى غابةٍ من المصالح المتعارضة، لا يجمعها هدفٌ وطنيٌّ مشترك.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل تفكك المعنى العام للدولة. حين يغيب الشعور بالانتماء، ويصبح السلاح لغة التفاهم، تفقد السياسة معناها، ويتحوّل الوطن إلى ساحةٍ للمساومات الإقليمية والدولية. ومتى ما صار الخارج لاعباً أساسياً في صناعة القرار، فإن الاستقلال الذي نحتفي به يصبح شكلاً بلا مضمون.
الطريق إلى الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالمزايدات ولا بالشعارات، بل بالاعتراف بأنّ لا فئة واحدة تمتلك الحقيقة. المطلوب مشروع وطنيٌّ جديد يدمج بين الأصالة والتحديث، يعيد بناء الجيش على أسس مهنية، ويقيم نظاماً سياسياً يوازن بين السلطة والمساءلة. فالديمقراطية ليست غايةً بحدّ ذاتها، بل وسيلةٌ لحماية الدولة من الاستبداد ومن الفوضى معاً.
ربما لا يحدث التحوّل دفعةً واحدة، وربما تتعثر الخطى، لكنّ التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه. إنّ بقاء السودان يتوقف على شجاعة الاعتراف بأننا جميعاً شاركنا في صناعة المأزق، وأنّ خلاصه لن يأتي إلا من مشروعٍ عقلانيٍّ صبورٍ، يؤمن بأن بناء الدولة أصعب من هدم النظام، لكنه وحده الطريق الآمن نحو الغد.




