رأي

السودانيون… وصناعة الخراب بأيديهم: من تفكيك الحقيقة إلى شنق الضحية

بروفيسور عبدالرحمن العمرابي

 

بروفيسور عبدالرحمن العمرابي

من السهل جداً أن يتحدث السودانيون عن “التدخل الخارجي”، وأن ينهالوا باللعنات على الإمارات أو مصر أو أمريكا أو روسيا (الذان دنت عذابهم في أهازيج الهراء) أو أي دولة يراد لها أن تكون شماعة الخراب.

لكن من الصعب جداً—والمؤلم جداً—أن يواجهوا الحقيقة العارية:

السودان لم يدمّره الخارج… السودان دمّره السودانيون أنفسهم، ثم كذبوا على أنفسهم، وبرّؤوا خنجر القاتل، وشنقوا جثة المقتول.

لقد تحوّل الخطاب العام في السودان إلى عملية خداع جماعي، يهرب فيها الجميع من مواجهة الذات، ويفضلون صناعة “عدو خارجي” يمنحهم الطمأنينة ولو كذباً. بينما الحقيقة التي لا يريد أحد النطق بها هي أن معول الهدم كان في يد السودانيين قبل أن يكون في يد أي أحد آخر.

الدولة التي يتباكى عليها بعضهم اليوم ليست دولة مختطفة من الخارج، بل دولة صُنعت من الداخل: دولة المستعمر ونجت التي ورثتها نخب طبقية وأرستقراطية منذ عشرينيات القرن الماضي، ثم تناوبت على نهشها حكومات 1956، وانقلابات العسكر، وتحالفات “الديمقراطيات المعيوبة”، وشراكه من تخلوا عن شعارات الثوره، ثم جاء الإسلامويون مره اخري ليحوّلوها إلى آلة قتل شاملة.

فلم يكن الخارج هو من بنى السجون السرية، ولا الخارج هو من أباد مليونين في الجنوب، ولا هو من قتل ثلاثمئة ألف في دارفور، ولا من قطع الماء والكهرباء عن قرى كاملة، ولا من قتل المتظاهرين في الخرطوم، ولا من رمى الجثث في النيل، ولا من فضّ الاعتصام.

كل هذا حدث بيد سودانية… وبوجوه سودانية… وبصمت سوداني.

ومع ذلك، يعيش كثيرون اليوم في حالة إنكار تام، ويصرّون على رواية تجعل الدولة المركزية التي أوجدوها القاتلة—دولة الإسلامويين والانقلابيين والبرجوازية الصغيرة والأرستقراطية المتوارثة—دولة “مُعتدى عليها”، وكأنها حمامة سلام تتعرض للمؤامرات.

هذه السردية ليست بريئة، بل صُنعت بدهاء سياسي لتبرئة مجرمين حقيقيين، ولإخفاء مسؤولية النخب التي حكمت البلاد منذ 1920 وحتى اليوم.

نخب تغيّرت أسماؤها ولم تتغير حقيقتها؛ مجموعات وُصفت بـ“النخب” مع أنها لم تكن سوى نسخة سودانية من الطبقات المتسلطة، تُلبس نفسها ثوب الوطنية بينما هي تحافظ على الدولة التي تخدم مصالحها فهم ليسوا بنخب بل سميوا كذلك بترجمه قول غريب ليصف من ورثوا تركه الاستعمار.

هؤلاء لم يكتفوا بالاحتكار والفساد، بل صنعوا خطاباً يجعلهم هم “المظلومية”، والضحايا الحقيقيين هم “العملاء”، وبهذا المنطق الأعوج استطاعوا أن يقنعوا الشعب بأن القاتل ضحية وأن المقتول مجرم، وأن الخنجر بريء من الدم الذي يغطي نصلَه، وأن الجثة المشنوقة هي التي شنقت نفسها.

وأمام كل هذا الخراب، يخرج علينا البعض ليقول: “التدخل الخارجي هو السبب”.

يا سادة… التدخل الخارجي لا يستطيع تدمير بلد إلا إذا وجد أرضاً رخوة، وسلطة فاسدة، ونخبة خائبة، وشعباً مستسلماً يصدق الأكاذيب.

التدخل الخارجي لم يقصف دارفور… ولم يوقّع عقود الفساد… ولم يزوّر الانتخابات… ولم يفتح المعتقلات… ولم يسلّم الدولة للإسلامويين… ولم يخرج الجماهير من الاعتصام بالقوة… ولم يشعل الحرب الأخيرة.

كل هذا كان سودانياً صرفاً.

كان يُصنع في المطابخ السياسية، وفي غرف الضباط، وفي مكاتب القيادات، وفي اجتماعات القوى المدنية التي باعت الثورة، وفي صمت الشارع الذي يثرثر كثيراً في الميديا ويسكت حين يكون الكلام واجباً.

إن من يظن أن الخارج هو من يُدير كل شيء يريح نفسه من مواجهة السؤال الأهم:

ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟

وببلادنا؟

وببعضنا؟

لقد صنع السودانيون “جغرافيا سياسية” من الكذب، صارت فيها الدولة الجانية مجنيّاً عليها، والقاتل بطلاً قومياً، والضحية خائناً.

وبدل أن يواجهوا هذا الانقلاب الأخلاقي، استمروا في دفن الحقيقة تحت ركام التبريرات، حتى أصبحوا شعباً يتقن الهروب من نفسه أكثر مما يتقن مواجهة العالم.

فبدلاً من تفكيك الدولة المركزية الموروثة—دولة ونغت، ودولة الكيزان، ودولة البرجوازية الصغيرة، والدولة الأرستقراطية التي ورثت الكرسي منذ خروج المستعمر—بدأوا يبحثون عن أسباب جاهزة في الخارج، كأن الخارج هو من اختار لنا أن نعيش منذ 1920 في ظل دولة إقصائية، قمعية، متوحشة، تتبدل هوياتها السياسية ولا تتغير بنيتها الاستبدادية.

السودان اليوم يحتاج إلى عملية جراحية مؤلمة، لا إلى مسكنات الوعي.

يحتاج إلى اعتراف لا لبس فيه بأن تفكيك الدولة الانتهازية هو الخطوة الأولى، والوسطى، والأخيرة في أي مشروع نهضوي.

وأن جلد الذات ليس ضعفاً، بل شجاعة.

وأن مواجهة الحقيقة، ولو كانت قاسية، هي الطريق الوحيد للخروج من حفرة الخراب التي حفرناها نحن بأيدينا.

أما الذين يصرّون على تعليق الخراب على الخارج، فهم لا يختلفون كثيراً عن من يبرّئون الخنجر، ويشنقون جثة المقتول، ثم يبكون على أطلال وطن كانوا هم أول من ساهم في هدمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!