
إيمان التجاني
في زمن تتداخل فيه الأخبار الصحيحة مع الأكاذيب، ويصبح التضليل الإعلامي جزءًا من الحرب على وعي الشعوب، تبرز بعض الشخصيات الإعلامية كمنارات للصدق والمهنية، لتذكّر الجميع بأن الإعلام ليس مجرد نقل للصور والكلمات، بل هو رسالة نبيلة ومسؤولية عظيمة تجاه الجمهور والحقيقة. من بين هذه الشخصيات، تبرز تسابيح المبارك، التي أبهرت الجميع خلال زيارتها لمدينة الفاشر، شمال دارفور، لتؤكد أن الإعلام يمكن أن يكون أداة للإنسانية والنبل قبل أي اعتبار آخر.
رحلة تسابيح إلى الفاشر لم تكن رحلة إعلامية عادية. لقد كانت رحلة تنقل رسالة واضحة: أن الإعلام مهنة النبل والصعاب، وأن من يعمل فيها يتحمل مسؤولية كشف الحقيقة مهما كانت المخاطر والتحديات. فقد ركبت الصعاب وجابت الفيافي والمناطق النائية، فقط لتقف على الحقيقة كما هي، بعيدًا عن التزييف أو التلاعب بالمشاعر، أو التضليل الذي مارسته بعض القنوات الفضائية الأخرى التي اعتمدت على الأكاذيب والتضليل كوسيلة لتمرير أجندات سياسية معينة.
ومن لحظة وصولها، بدا حب الناس لها واضحًا؛ الأطفال يستقبلونها بفرح، والنساء ينظرن إليها بإعجاب وامتنان، وكأن وجودها في المكان يبعث على الأمل ويخفف من وطأة الحصار النفسي والمعنوي الذي خلفته الحرب. لم تترك أي زاوية أو حيًا إلا وطرقت أبوابه بمهنية وإنسانية، تاركة وراءها أثرًا من التفاؤل والطمأنينة لدى كل من التقت بهم.
في هذا السياق، تجسد زيارة تسابيح للفاشر معنى أن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية تتطلب شجاعة في مواجهة الصعاب، ووفاءً للرسالة الإنسانية التي يجب أن تصوغها الكاميرا والقلم. فكما أكدت زيارتها، الأخبار ليست مجرد كلمات، بل حياة الناس وتجاربهم ومعاناتهم، ولا يجوز أن تكون مجرد وسيلة لخلق أجواء مغلوطة أو تضليل الجمهور.
قناة سكاي نيوز عربية، التي أرسلت تسابيح إلى قلب الصراع، برهنت أن الصحافة الاستقصائية النزيهة ما زالت قادرة على صناعة فرق، وأن هناك من يرفض الاستسلام لضغط الأكاذيب أو العجز عن مواجهة الحقائق. لقد أصبحت تسابيح بمثابة مصابيح تضيء العتمة، وتكشف ما تحاول بعض القنوات العربية أن تخفيه أو تعتمه، بهدف تشويش الرأي العام وتشويه الوقائع.
وما يميز تسابيح ليس فقط مهنيتها العالية، بل أيضًا إنسانيتها العميقة؛ فهي لم تكن مجرد مراسلة تنقل الأحداث، بل كانت حاملة رسالة سلام ونبل، توصل صوت من لا صوت لهم، وتنقل معاناتهم وهمومهم إلى العالم الخارجي. لقد أثبتت أن الإعلام الحقيقي لا يقتصر على نقل الأخبار، بل هو أداة لتسليط الضوء على معاناة البشر، ودعم كل من يسعى إلى السلام والعدالة.
كما أن زيارتها للفاشر تعكس أيضًا قدرة الإعلام على أن يكون جسرًا بين الناس والوعي العام، لا أداة للتضليل أو التلاعب بالأفكار. في عالم تتشابك فيه المصالح السياسية مع وسائل الإعلام، وتصبح الحقائق ضحية للخطاب الإعلامي الموجه، تأتي تسابيح لتؤكد أن المهنية والصدق قادران على إعادة الثقة في الإعلام، وإذكاء معنى الإنسانية في القلوب.
إنها رسالة لكل العاملين في هذا المجال: الإعلام مسؤولية قبل أن يكون وظيفة، وصدقه يقاس بمدى وقوفه إلى جانب الحقيقة، حتى في أصعب الظروف وأبعد المناطق. فزيارتها للفاشر لم تكن مجرد تغطية أخبارية، بل كانت شهادة حية على أن الإعلام قادر على أن يكون نبلًا، وأن يضيء الظلام حيث يخيّم الجهل والتضليل.
ختامًا، يمكن القول إن تسابيح المبارك لم تكن مجرد إعلامية تقوم بواجبها، بل رمز للصدق والمهنية الإنسانية في الإعلام. إنها تذكير بأن الصحافة ليست مجرد صور وكلمات، بل رسالة تتطلب الشجاعة والوفاء للمبادئ الإنسانية، ورسالة تقول بصوت واضح: الحقيقة أكبر من أي أجندة، والإنسانية هي قلب كل رسالة إعلامية حقيقية.




