
التنوير .. بورتسودان
في مسرحية سياسية لا تخلو من الطرافة، عاد رئيس وزراء بورتسودان كامل إدريس إلى البلاد بعد رحلة طويلة إلى جنيف، حيث تناول “ملفات الأمن والسلام والتنمية” – أو على الأقل هذا ما أفاد به جدول أعماله الرسمي. لكن الأهم من ذلك، هو أنه غادر قبل أسبوعين وسط جدل واسع حول استقالته المفترضة، ليترك الجميع يتساءل: هل هذا رئيس وزراء أم مجرد مسافر دائم يبحث عن رحلات عمل ممتدة؟
مصادر مطلعة لم تخفِ دهشتها، معتبرة أن المغادرة تُظهر هشاشة السلطة المدنية في المدينة، وأن الرجل الذي صُمم ليكون وجهًا مدنيًا للجيش، وجد نفسه عالقًا بين الضغوط الداخلية ورغبة الجماعات المسيطرة في رسم سياساتها بعيدًا عن أي رقابة. بعض المراقبين قالوا إن جدول أعمال إدريس ربما كان يتضمن بندًا سريًا: “كيفية النجاة من الضغط اليومي للحركة الإسلامية”، وهو بند يبدو أن أي ورشة تدريب في جنيف لم تكن كافية لتحقيقه.
في المقابل، يبقى المواطن البورتسوداني في حالة حيرة مستمرة: هل يشاهد فعلاً رئيس وزراء أم بطولة كوميدية سياسية تُعرض دون تذاكر؟ فالاستقالة المفترضة، الرحلة الدولية، الاجتماعات الكبرى، كلها عناصر تشبه أكثر فيلمًا هزليًا عن السياسة، حيث المسؤول يغيب، والقرارات تنتظر، والناس يتفرجون على المسرح من دون أي نص واضح.
ولعل الطرافة الأكبر تكمن في أن الرجل عاد ليجد نفسه مرة أخرى أمام مهام عاجلة على الأرض، بينما السلطة الحقيقية تمضي قدمًا وفق أجندتها الخاصة، بعيدة عن أي تدخل مدني أو إرادة شعبية. يبدو أن بورتسودان أصبحت مدينة حيث السفر الدولي جزء من المنصب الرسمي، والاستقالة مجرد فاصل درامي، والضغوط السياسية مادة دسمة للتسلية السياسية المحلية والدولية.
في النهاية، تظل الحقيقة واضحة: رئيس وزراء بورتسودان أصبح أكثر من مجرد مسؤول، إنه رمز لمفارقات السلطة في المدينة، حيث الغياب يصبح حضورًا، والاستقالة تصبح إجراءً روتينيًا، والسفر الدولي بمثابة خطة بديلة لإدارة الأزمات. ومن يراقب المشهد، يجد نفسه أمام مفارقة ممتعة ومرعبة في الوقت ذاته: هل نضحك أم نبكي على هذه الإدارة الفريدة التي لا تتوقف عن إبهار الجميع؟




