
م.هاشم طيار
يشهد السودان اليوم صراعًا سياسيًا عميقًا يتجاوز الخلافات التكتيكية العابرة، ليصل إلى جوهر السؤال المصيري: كيف ينبغي أن يكون شكل الدولة السودانية ومستقبلها؟ في هذا السياق، يبرز التباين الواضح بين مشروع حكومة تأسيس وتحالف صمود، كصراع بين نموذجين متمايزين لرؤية الدولة وإدارتها.
تطرح حكومة تأسيس مشروعًا شاملاً لإعادة بناء الدولة السودانية من جذورها، انطلاقًا من قناعة بأن الأزمة الحالية ليست مجرد صراع مسلح أو أزمات أمنية، بل تتجذر في موروث مركزي متصل بالسلطة، والثروة، والهوية، والعلاقات بين المركز والهامش. ومن هنا، يقوم مشروع تأسيس على تفكيك مركزية الدولة القابضة، واعتماد نظام لامركزي وفدرالي يمنح الأقاليم حقوقها السياسية والإدارية والاقتصادية. ويتعامل مع الهامش الجغرافي بوصفه قضية تاريخية وحقوقية، لا مجرد ملف أمني، سعيًا لمعالجة جذور الصراع عبر حلول جذرية تؤسس لسلام مستدام وعدالة انتقالية حقيقية.
ويشمل مشروع تأسيس إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية عبر بناء جيش وطني مهني وعقيدة جديدة، وميثاق أمني ودستور يعكسان التنوع السكاني والثقافي للسودان، مع ضمان مشاركة حقيقية للأقاليم المتأثرة بالحرب. كما يعطي المشروع الاعتراف بجذور الصراع المرتبطة بالأرض والهوية والسلطة والعدالة التاريخية، ليكون الأساس لثقافة سياسية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان والديمقراطية العلمانية.
في المقابل، يمثل تحالف صمود امتدادًا لمدنية المركز القديم، إذ يجمع أحزاب النخب السودانية التي تعكس مصالح المركز في الخرطوم ومحيطها السياسي والاقتصادي والعسكري. وتسعى صمود عمليًا إلى إعادة إنتاج الدولة القديمة بوجوه جديدة، مع الحفاظ على سلطة مركزية فوقية تُفرض على الأطراف الأخرى، وتعتمد شرعية شكلية قائمة على الأمر الواقع، أو الدعم الخارجي، أو توافق محدود بين النخب. وفي هذا النموذج، تُترك قضايا الهامش كملفات أمنية تُدار من المركز، بينما تتركز الثروة والقرار في يد قلة محددة، مما يؤدي إلى استمرار جذور الأزمة وتعمّق انعدام الثقة بين الدولة والمجتمع.
وبالتالي، فإن الخلاف بين حكومة تأسيس وصمود ليس مجرد اختلاف تكتيكي أو سياسي، بل هو خلاف وجودي حول مستقبل السودان. بينما يراهن مشروع تأسيس على إعادة تأسيس الدولة من جذورها، تشمل السلطة، والهوية، والأرض، والجيش، والعدالة، تسعى صمود إلى إصلاح الدولة القائمة وتحديثها بوجوه جديدة، مع الحفاظ على هياكل المركز القديم. هذه الفجوة في الرؤى تضع البلاد أمام تحدٍ كبير، إذ إن أي محاولة للتوفيق بين النموذجين دون معالجة جوهرية ستؤدي إلى استمرار الصراعات وهشاشة الدولة.
إن صراع الرؤى هذا يطرح على السودانيين سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الدولة التي يرغبون في بنائها: دولة مركزية تركز السلطة والقرار في يد قلة محددة، أم دولة فدرالية ديمقراطية تعترف بالحقوق التاريخية للأقاليم وتبني مؤسساتها على العدالة والمواطنة المتساوية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مسار السودان خلال العقود القادمة، وستكون مفتاحًا لإنهاء الأزمة الطويلة التي عانى منها المجتمع السوداني.
في ضوء ذلك، يظل الحوار السياسي والمشاركة المجتمعية الشاملة والاعتراف بالتنوع والحقوق التاريخية عوامل حاسمة في بناء دولة سودانية جديدة قادرة على الصمود وتحقيق التنمية والاستقرار. وبينما يطرح مشروع تأسيس هذا النموذج الجديد، تواصل صمود التمسك بالمركزية القديمة، مما يجعل صراع الرؤى حول السودان مستمرًا وحاسمًا في الوقت ذاته.




