
ابو عبد الله الراشدي
منذ تأسيس الجيش السوداني في عام 1925م، قبل ثلاثة عقود من ميلاد الدولة الحديثة، بقيت هذه المؤسسة حبيسة الميراث الذي تركه المستعمر أكثر من كونها نتاجًا لإرادة الشعب أو تعبيرًا عن تطلعاته. فقد وُلد الجيش في ظل نظام إداري بريطاني–مصري، وظل مرتبطًا عمليًا وذهنيًا بذلك الأصل، إلى الحد الذي جعل كثيرًا من السودانيين يرونه جيشًا مفروضًا عليهم أكثر من كونه جيشهم الوطني، حتى أنه عُرف طويلًا في الذاكرة الشعبية بجيش ونجت باشا، في إشارة واضحة إلى جذوره الاستعمارية وعلاقته الوظيفية بالمستعمر أكثر من علاقته بالشعب.
وعلى مدى قرن تقريبًا، لم يتمكن الجيش من التحول إلى مؤسسة قومية حقيقية تمثل كافة السودانيين، بل ظل عرضة للاختطاف والاختراق والارتهان، سواء من قبل أنظمة الحكم الشمولية أو من الأطراف الإقليمية التي وجدت فيه مدخلًا لتحقيق مصالحها داخل السودان. وكانت مصر الرسمية هي الأكثر حضورًا وتأثيرًا في بنية الجيش ومساره، إذ عملت طوال عقود على ضمان بقاء هذه المؤسسة ضمن دائرة النفوذ المصري، مستفيدة من هشاشة الدولة السودانية واختلالات التوازن داخل المؤسسة العسكرية نفسها. ولم يكن الأمر مجرد تعاون أو علاقات طبيعية بين بلدين جارين، بل امتد ليصبح تدخلًا فعليًا في طريقة تفكير الجيش، عقيدته، توجهاته، وتحالفاته السياسية، بما يخدم الامتيازات والمصالح المصرية، حتى لو كان ذلك على حساب تطلعات السودانيين لحكم مدني مستقر.
وقد كان هذا النفوذ جزءًا من سبب التوتر المستمر بين الجيش والحكومات المدنية، إذ ظل الجيش يقف، مرة بعد أخرى، ضد أي محاولة لإرساء نظام سياسي يستند إلى الإرادة الشعبية. وتاريخ السودان الحديث شاهد على الانقلابات التي أطاحت بتجارب مدنية واعدة، لتعيد البلاد إلى حكم العسكر، وتفتح الباب أمام دورات لا تنتهي من الصراعات الداخلية، التي يستفيد منها الفاعلون الإقليميون أكثر مما يستفيد منها الشعب.
ورغم أن الآلة الإعلامية ظلت تمجّد الجيش وتقدّمه بوصفه “قوات الشعب المسلحة”، إلا أن الشعب اكتشف، بمرور الزمن، أنه كان ضحية لصورة مصنوعة بعناية لا تعبّر عن الواقع. فهذه المؤسسة التي يفترض أن تكون حامية للأرض والمواطنين، تحولت مرارًا إلى أداة لقمع الشعب وتمزيق نسيجه الاجتماعي، سواء من خلال الانقلابات المتكررة أو عبر الانحياز السياسي لحكام لا يستمدون شرعيتهم من الإرادة الشعبية. ومع كل مرحلة تاريخية، كان يتأكد أن هذه المؤسسة لم تُبنَ على أسس قومية، ولم تُصمّم لتكون جيشًا لكل السودانيين، بل جيشًا محكومًا بالولاءات الجهوية والإقليمية والارتباطات الخارجية.
لقد كشفت الحرب التي اندلعت في السودان خلال الفترة الأخيرة عن هشاشة هذه المؤسسة، وعن عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها. فالجيش الذي ظل يُقدَّم ككيان موحد قادر على حماية الدولة، ظهر كجهاز مخترق ومتنازع داخليًا، لا يمتلك رؤية وطنية موحدة، ولا عقيدة قتالية واضحة، ولا قيادة قادرة على اتخاذ قرار يخدم مصلحة البلاد بعيدًا عن الحسابات الشخصية أو الولاءات القديمة. وبدل أن يكون عامل استقرار، أصبح أحد أكبر أسباب استمرار الصراع وعرقلة أي حل سياسي يمكن أن ينقذ السودان من الانهيار.
إن هذه الحقائق تجعل من الحديث عن “إصلاح الجيش” حديثًا قاصرًا وغير كافٍ. فالمسألة لم تعد مسألة إصلاح مؤسسة أصابها الخلل، بل أصبحت ضرورة تاريخية تتطلب إعادة تأسيس الجيش من جذوره؛ تأسيسًا جديدًا يتوافق عليه السودانيون، ويعالج الاختلالات التي رافقت تاريخه منذ لحظة ولادته الأولى تحت ظل المستعمر. ولا يمكن لهذا التأسيس أن ينجح إلا إذا استند إلى معايير واضحة تضمن قومية الجيش، وحيدته، وخضوعه الكامل للسلطة المدنية الديمقراطية.
ويجب أن تُبنى العقيدة القتالية للجيش الجديد على أساس حماية الدستور واحترام الإرادة الشعبية، بدلًا من حماية الأنظمة أو الانحياز للمصالح الإقليمية. كما ينبغي أن يراعي تكوينه التوازن العادل بين أقاليم السودان، وأن يُفتح الباب أمام بناء مؤسسة حقيقية تمثل كل السودانيين دون إقصاء أو احتكار. فالجيش القومي ليس مجرد قوة مسلحة، بل هو مشروع وطني يستند إلى قيم المشاركة والتعددية والالتزام بالدولة الديمقراطية.
إن السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لبناء جيشه الوطني لأول مرة منذ قرن. والمرحلة التي تعيشها البلاد، مهما كانت قاسية، تحمل في طياتها إمكانية ميلاد جديد لمؤسسة ظلت طوال تاريخها جزءًا من المشكلة. أما المستقبل الذي يرجوه السودانيون، فلا يمكن أن يتحقق إلا عبر تأسيس جيش جديد لعهد جديد، جيش لا يتكرر فيه إرث الاستعمار، ولا يُستعاد فيه نفوذ الخارج، ولا يُستخدم مرة أخرى كأداة لإحباط تطلعات الشعب، بل يكون عمادًا للدولة الديمقراطية التي يحلم بها السودانيون جميعًا.




