
من رب الفور إلى إله الحرب والدمار… هل بلغ بك الغرور هذا الحد يا برهان؟
د. إخلاص قرنق
باحثة اجتماعية وسياسية وحقوقية
رئيس منبر صوت المرأة جوبا
في لحظة هي الأشد قتامة في تاريخ السودان، يتساءل السودانيون بألم ومرارة وغضب كيف وصل الحال بقائد البلاد إلى هذا القدر من الصلف السياسي والعسكري؟ وكيف يتحول من وُصف في خطابات منتقديه بـرب الفور، ذلك اللقب الذي ربطه كثير من الناجين والناشطين باعتزاز مزعوم بأحداث دامية تعود لعام 2003، إلى رمز أكبر للحرب والدمار في السودان المعاصر؟
هل وصل الغرور إلى هذه الدرجة يا برهان؟
من رب الفور إلى إله الحرب…
من مسؤول عن حماية الشعب إلى حجر الأساس في كارثته؟
رفض متكرر للسلام وإصرار على الحرب مهما كان الثمن
يرى الكثير من المراقبين أن البرهان قد تعامل مع كل مبادرة سلام، إقليمية ودولية، بعقلية الرفض والمماطلة، وكأن السلام تهديد لسلطته، لا خلاص لوطن يحتضر. وفي وقت كانت فيه البلاد بحاجة لأي بارقة أمل، جاء الرد من القيادة العسكرية بزيادة التصعيد ورفض التهدئة وتقديم القوة على الحكمة.
وبينما تنتظر الخرطوم وبقية المدن هدنة إنسانية، تصر القيادة على لغة الاستنفار والنفير، وكأن حياة الناس مجرد وقود لمشروع سياسي بلا أفق.
استنفار أبناء الفقراء… بينما أبناء النخبة في الخارج
الغضب الشعبي لم يأت من فراغ. فبينما تُدفع جموع الشباب من أبناء الهامش والمناطق المنهكة إلى ساحات الموت تحت شعار الدفاع عن الوطن، يعيش أبناء كبار الضباط وأبناء قيادات الحركة الإسلامية وحتى بعض مشاهير القونات والفنانين حياة هادئة في تركيا ومصر وماليزيا بعيدًا عن رائحة البارود.
تساؤل السودانيين هنا مؤلم وصادق:
لماذا يموت أبناء الفقراء بينما يعيش أبناء النخبة في الفنادق والمطاعم والكافيهات؟
لماذا يتحول الوطن إلى مقبرة لطبقة وملاذ لطبقة أخرى؟
خطاب الكرامة والجهاد… أدوات لإعادة الإسلاميين إلى المشهد
يعتبر محللون كثيرون أن شعارات حرب الكرامة والجهاد ليست سوى غطاء لإعادة الإسلاميين إلى السلطة عبر بوابة الحرب. خطاب ديني عاطفي يُستخدم لإرسال الناس إلى الموت، بينما يخدم مشروعًا سياسيًا محددًا لا علاقة له بكرامة الشعب ولا بسلامته.
هنا يتحول الدين من منظومة قيم إلى أداة تعبئة، وتتحول الكرامة من مبدأ إلى شعار أجوف يُرفع فوق جثث الأبرياء.
وطن ينزف… وشعب مشرد… وحرب بلا نهاية
بحسب شهادات منظمات مستقلة ومراقبين ميدانيين، فإن الحرب التي تُدار اليوم باسم الوطن قد مزقت البلاد: ملايين النازحين، مدن مدمرة، اقتصاد منهار، وأجيال كاملة تفقد مستقبلها كل يوم.
ومع ذلك تستمر لغة القيادة العسكرية في تجاهل هذه الحقائق، وكأن السودان ملكية خاصة يمكن التضحية بأهله من أجل قبضة سلطة عسكرية لن تبقى.
من رب الفور إلى إله الحرب… أسوأ مفارقة في تاريخ السودان
اللقب الذي تداوله الناجون وخصوم البرهان، رب الفور، لم يكن يومًا رمز احترام، بل رمز غطرسة مرتبطة بذكريات أليمة وملف دموي لا يزال جرحه مفتوحًا. واليوم يرى منتقدوه أن تحوله إلى رمز لحرب جديدة أكثر اتساعًا ودمارًا يمثل أشد مفارقات تاريخ السودان قسوة.
الخلاصة
يا برهان… هل يكفي كل هذا الدم؟
هل هذا هو النصر الذي أردته؟
وهل يستحق السودان كل هذا الخراب من أجل مشروع حكم لا يريده الشعب؟
التاريخ لن ينسى
والشعب لن يسكت
والغد لن يكتب بلغة البنادق، بل بلغة من اختاروا الحياة بدلًا من الحرب.




