جماعات الهوس الديني… كيف تدير أضخم ماكينة لتشويه الوعي وإطالة أمد الحرب في السودان
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
يمر السودان بمرحلة تتجاوز الحرب الميدانية إلى حرب أخطر وأعمق: حرب على الوعي. فقد طوّرت جماعات الهوس الديني، المعروفة بالإخوان المتأسلمين، واحدة من أكبر ماكينات التضليل في المنطقة، تُدار باحتراف شديد يهدف إلى صناعة واقع بديل، وتشويه الإدراك العام، وتمديد عمر الحرب عبر الفضاء الرقمي. إنها معركة لا تُرى فيها الدبابات، لكنها لا تقل شراسة عن ساحات القتال، لأن ميدانها هو عقل المواطن وروحه.
يعتمد هذا التنظيم على جيوش من الحسابات الوهمية التي تُنشأ بملامح سودانية مسروقة، وتعمل على خلق رأي عام مصطنع يخفي أصوات الحق، بينما تتقدم الأكاذيب كأنها حقائق. لا تحاور هذه الحسابات ولا تناقش، بل تُغرق المنصات بتعليقات مكررة تُطلق بهدف واحد: دفن أي صوت يدعو للسلام تحت ركام من الضوضاء. وفي كل ذلك تتجسد حقيقة لا لبس فيها: “أخطر أنواع القمع هو ذاك الذي يجعل الناس يرددون صوت جلادهم وهم يظنون أنه صوتهم.”
وتستخدم هذه الجماعات غرفاً مغلقة لتنسيق عمليات الهجوم الإلكتروني، حيث تُصدر التعليمات في شكل “أوامر عمليات” لمهاجمة صفحات الناشطين وتخريب البثوث المباشرة، وإطلاق حملات بلاغات جماعية لإسقاط الصفحات المعارضة. وبالتوازي مع ذلك، تُضَخ مكتبات جاهزة من الشتائم والفبركات التي تُنسخ وتُلصق دون تفكير، لتخليق بيئة عدوانية تمنع أي حديث موضوعي. وهنا يصبح جلياً أن “حين تتفوق الضوضاء على الحقيقة، ينتصر الكذب ولو كان هزيلاً.”
ولم تكتفِ هذه الجماعات بصناعة الضوضاء، بل أتقنت أيضاً صناعة الأكاذيب. فهي تعيد تدوير الشائعات القديمة في قوالب جديدة، وتطلق أخباراً ملفقة عن انتصارات وهمية ومؤامرات خارجية، فقط لزرع الارتباك والتشويش. إنها سياسة قائمة على إغراق الوعي حتى يفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقي والمصنوع. وكل ذلك يقوم على قاعدة بسيطة: “حين يصبح الاتهام بديلاً عن الحجة، يكون العقل أول الضحايا.”
ويبلغ التشويه ذروته عندما تُحوِّل الجماعة أي صوت معارض إلى “عدو”، فتلاحق دعاة السلام بحملات منظمة تتضمن إساءات أسرية وتشويهاً شخصياً وفبركات لا علاقة لها بالسياسة. الهدف هنا ليس إسكات الصوت فقط، بل تدمير صورته أمام مجتمعه. وتستهدف هذه الحملات النساء بشكل خاص، لأن الجماعة تدرك قوة تأثيرهن في تغيير المزاج العام. فالهجوم على المرأة عندهم ليس فعلاً عشوائياً بل استراتيجية محسوبة.
وتسعى هذه الجماعات أيضاً لاختراق القروبات المدنية ومجموعات السلام، فتزرع عناصرها كـ”مواطنين عاديين” ثم تبث الفتن وتخلق الشكوك وتشعل الخلافات الداخلية. إنها معركة لإضعاف أي مساحة يجتمع فيها الناس على هدف واحد هو إنهاء الحرب. وفي الوقت نفسه، تستخدم خطاباً دينياً مسيّساً لتبرير استمرار القتال، وتصوير الدعوة للسلام كخيانة. وهنا تتجلى الحقيقة المؤلمة: “حين تُصنع الوطنية في غرف مغلقة، تتحول إلى سلاح موجّه ضد الوطن نفسه.”
ومع تطور التكنولوجيا، صارت هذه الجماعات تستخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور مزيفة ومقاطع تركيبية تُقدَّم كحقائق. وتستغل الجهل التقني للناس في تمرير هذه الفبركات بسهولة، بينما تُستخدم الفكاهة والسخرية كسلاح لتقليل قيمة الدعوات للسلام وتحويلها إلى مادة للهزل. كما تُطلق موجات من الشعارات الوطنية العالية كنوع من “التنويم الجماعي” حتى لا يلتفت الناس إلى الفشل والفساد وانهيار الدولة.
وفي مستوى آخر، تصنع هذه الجماعات “أبطالاً” رقمية، يقدمون أنفسهم كقادة ميدانيين في الجبهات وهم في الحقيقة مجرد واجهات إلكترونية هدفها شحن المراهقين ودفعهم إلى دائرة الكراهية. وتستغل صور ضحايا الحرب لأغراض الدعاية لا كتذكير بضرورة إنقاذ الأرواح. بل وتختلق أزمات وهمية لإلهاء الناس عن الجرائم التي تُرتكب في الواقع، وتستخدم الأطفال والمراهقين في جيوش التعليقات، لتربية جيل مبرمج على العنف الرقمي.
إن جماعات الهوس الديني لا تخوض حرباً لكسب أرض، بل حرباً لكسب عقول. إنها تسعى لإعادة تشكيل المجتمع عبر التضليل المكثف، وتحويل الفضاء الرقمي إلى غرفة عمليات مفتوحة تستهدف وعي السودانيين جميعاً. وما لم يُدرك الناس خطورة هذه الآلة، سيبقى السودان أسيراً لوعي مزور تُعيد هذه الجماعات إنتاجه كل يوم.
المعركة اليوم ليست مجرد صراع سياسي، بل صراع بين الحقيقة والزيف، بين صوت العقل وضجيج الخداع، بين وطن يريد الحياة وجماعات لا تعيش إلا في الظلام.




